راغدة شفيق محمود تكتب: الكلب البشريّ النّابح

راغدة شفيق محمود تكتب: الكلب البشريّ النّابح
راغدة شفيق محمود تكتب: الكلب البشريّ النّابح

 

  كنتُ أتصفح الإنترنت فظهر لي شخصٌ يرتدي ثياب كلب وينبحُ نباحَ كلبٍ وقد عرض نفسه للتبني بأسلوب يبعثُ الشفقة في القلوب .. أحبّ الكلاب فهي الحارسُ الأمين والصديق الذي لا يتركك في محنتك أغلقت المتصفح وقد علقت صورة ذاك الكائنِ البشريّ النابح في مخيلتي سبعة عشر ألف دولار كافية لشراءِ كلبٍ بشري يسير على أربعة يلعق حذاءَك، وينبحُ الطراق عن بابك أين أنتِ أيتها الشاعرة لقد رفضتي القط الأليف وفضلتي الكلب النابح وها نحن بعد مئات السنين نشتري كلب ينبح ويتكلم أيّ عصر وأيّ زمن. رغبت باقتناء هذا الكلب البشريّ لا أستطيع أن أقول رجل أو شاب بل هو كائن بشري مجرد من العقل فمن امتلك اللسان وخُلق في أحسن تقويم من المعيب أن يقبل بهذه المسرحية الهذلية المضحكة. عرضت الفكرة على العائلة في اجتماعِ المساء وكانت الموافقة من الجميع.. سنشتري ثلاثة كلابٍ بشرية وبعد أسبوع طرقت مدبرة المنزل غرفتي لتخبرني عن وصول شحنة الكلاب فأنا أنتظرهم بتلهف حقاً هذا الكلام أم هو كذب الإنترنت. خرجت مسرعة لأجد ولدي يقتادُ كلبين ينبحان نباحَ الكلب بدقة متناهية اقتربت منهم وقد لعق أحدهم حذائي أمسكته من رقبتهِ المقيدة بالسلاسل ونظرت في عينيه ثمّ فتحت له فمه ونظرت للسانه ماهذا أيتها السماء إنّه بشرىّ صفعته على وجهه فنبح وتراجع للخلف سحبه ولدي واقتاده إلى قفص الكلاب المعد لهم كانت ابنتي تدلل ذاك الكلب إنّه ضخم البنية أثار الفزع في قلبي فصرخت للحارس  أن يبعد هذا الكلب البشري عن ابنتي ويُحجَز في قفصٍ آخر. في أقفاصهم أتقنوا حياةَ الكلاب يتناولون طعام الكلاب وساد الهدوء طوال الليل كنت أراقبهم من خلالِ كميرة طلبت تركيبها داخلَ الأقفاص فمن الغباء إدخال هذا الكائن الغريب للمنزل وتركه دون مراقبة فمن اقتنع بطعام الكلاب والسّير على أربعة والنباح ما الذي يمنعه من استيقاظ الغريزة البشرية لديه والانتقام من مالكه... لم أستطع النوم تلك الليلة كانت نظرات ذاك الكلب البدين تخيفني وهو ينظر في عيني طفلتي ويحاول لعق حذائها.. سيفترسها إن سمحت له الظروف لم يكن يتحرك في قفصه يبدو نائما فالكلاب لا تعملُ شيئاً لا تفكر بشيء لا تهتم العمل والعلم والعائلة لا تهتم بذلك النوم والطعام . كيفَ استطاع مالك هذه الشركة مسح هذا العقل البشري وإعادة غريزة الحيوان لرأسه المقيد بالسلاسل؟ انتفضت قدمه فجأة ووقف على قدميه منتصباً حاول تحريك حديد القفص وبعد دقائق عاد إلى وضعه الأول نام ككلب بهدوء وكأن شيئاً لم يحدث. أشرقت الشمس ودقات الساعة تعلن عن وقت الإفطار والكلاب في حديقة المنزل تركضُ على العشب ثمّ تسترخي عند جذع شجرةٍ وارفة الظلال كان كلبي بوب خائفا ينبح بصوت خافت وكأن الكلاب البشرية أرعبته ... طلب ولدي اصطحاب كلبيه لزيارة صديقه ما هذا الإتقان للدور هل حقاً نعيش في عالم الأحلام. عندما عاد كان الفرح يغمر وجهه وحدثنا بسرور عن هذا الكلب البدين الرائع لقد فاز بمسابقة نباح الكلاب وحصل على مبلغ كبير من المال... لم يطالب الكلب بحصته من الأرباح ولم يبدي أي مشاعر كان مدللا لأيام وفي أحد صباحات الخريف خرج الجميع وطلب ولدي مني أن يبقى هذا الكلب البدين في قفصه لديه مسابقة في المساء وألا نزعجه ونهتم بطعامه.... نباح هذا الكلب البدين أربكني تبعه صراخ طفلتي شعرت بالخوف دقات قلبي تسارعت قدماي تحولتا لشجرة يابسة لساني قطعة من الحديد الصلب حاولت الصراخ وحتى النباح لم أستطع لحظات خرجت من كابوس أحلامي لأجد هذا الوحش البشري يحاول إغتصاب طفلتي وقد سحبها لقفصه وأغلق باب القفص كانت صورتها... دموعها ونظراتها لي من خلف القضبان مشوشة منكسرة خائفة وانا الأمّ الخائبة التي ستفقد طفلتها ليتني أستطيع إعادة الزّمن ومسح تلك اللحظات الملعونة حيث يستجدي هذا الكائن الحقير من ينقذه من الشارع من يطعمه من يتبناه فهو كلبٌ مخطط تخلت عنه عائلته ويشعر بالبرد.. كانت حبات العرق تتساقط على جبيني هل أنا موجودة أين ذهب الجميع الكلب ينبح بل ارتفع عواءٌ مخيف ممتزج  بصراخ طفلتي لقد عضّ يدها وهو يعض أطرافها حديد القفص بارد ومفتاح القفص بعيد المنال لقد ابتلعه أمام عيني... لحظات كسنين صوتٌ طقطقة  ثمّ ساد هدوء إنّه القدر عاد زوجي لأمر طارئ وهو يطلق رصاصة المنوم على كلبنا المتوحش ليسقط في أرض القفص. في المشفى كنت وطفلتي لأسابيع نتلقى العلاج بسبب هذه المغامرة التي كادت تقتلنا وهي الأيام تمرّ وانا أثق أن الإنسان بلا عقل هو وحش قاتل يجب تجنبه...

 

 

الأديبة راغدة شفيق محمود