أخبار عاجلة
أخبار نادي الزمالك اليوم الأربعاء 12 / 5 / 2021 -
السد يجدد عقد تشافي موسمين رسميا -

توفيق حنا يقدم قراءة في كتاب: وحـــدة تاريـــخ مصـــر (تأليف: محمد العزب موسى)

توفيق حنا يقدم قراءة في كتاب: وحـــدة تاريـــخ مصـــر (تأليف: محمد العزب موسى)
توفيق حنا يقدم قراءة في كتاب: وحـــدة تاريـــخ مصـــر  (تأليف: محمد العزب موسى)

يعتبر هذا الكتاب “وحدة تاريخ مصر” - فيما أرى- من أهم واخطر الكتب التي تؤكد وتؤيد قضيه وحدة تاريخ مصر.. ولعل هذا الكتاب هو أهم هذه الكتب جميعا - من وجهة نظري - وهذا هو الذي دعا الصديق الراحل احمد رشدي صالح إلى الدعوة إلى إعادة نشر هذا الكتاب في مصر بعد أن نشرت طبعته الأولى في لبنان عام 1972 كما يقرر الناشر على غلاف الكتاب”.

يقول الناشر سمير أبو داوود – المركز العربي للصحافة “أهلا” - : “عندما ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في بيروت عام 1972 كتب المرحوم رشدي صالح في يومياته بالإخبار يطالب بإعادة نشره فورا في مصر، وقال رشدي صالح “ إن هذا الكتاب يدعو إلى إعادة النظر في التفسيرات الظالمة لتاريخ مصر، وان تصويب هذه الأفكار الظالمة موقف يخدم فكرة إعادة كتابة التاريخ.. وهذا الكتاب ثمرة من ثمرات البحث عن الذات خلال مرحلة مابين حربي 1967 و 1973 في وقت سادت فيه بلبلة شديدة حول شخصية مصر وقوميتها وتاريخها”.

ويستهل المؤلف حديثه عن “القضية و المنهج” بهذه الافتتاحية وكأنها الضربات الأولى في سيمفونية مصر التاريخية “: مصر دائما هي الفصل الأول في كتب التاريخ”.

حيث تعلم الإنسان لأول مره الزراعة والكتابة والتفكير ووصل الإنسان المصري إلى قمة حضاريه لا تدانيها قمة أخرى في التاريخ القديم – ويحدثنا المؤلف عن هذا الشعب المصري بتاريخه العملاق “.. وإذا افترضنا جدلا – حاليا على الأقل- أن الشعب الذي يسكن مدن مصر وقراها في القرن العشرين هو امتداد على نحو ما للشعب الذي سكن هذه الديار دون انقطاع منذ فجر التاريخ لكان لنا أن نعتبر هذا الشعب معجزه حقيقية لم يجد الزمن مثلها، ولا نظير لها في سجل البشرية، فهو صاحب أقدم تاريخ حافل يضرب في أعماق الزمن عدة آلاف من السنين قبل التاريخ المكتوب، ثم واكب سير الحضارة البشرية منذ فجرها الأول حتى العصر الحديث “ثم يسجل المؤلف هذه الحقيقة في أسف حزين وفى سخرية أليمه” ولكن - وهذه إحدى التناقضات الكبرى في مصر – ليس هناك شعب في العالم يجهل تاريخه كالشعب المصري” ثم يتساءل محمد العزب موسى، بعد أن يستعرض لنا مدى اهتمام كل البلاد الأخرى بتاريخها وبكل ما يتصل بهذا التاريخ، وبعد أن يقرر عدم مبالاة الإنسان المصري – إنسانا عاديا أو مثقفا – بتاريخه يتساءل “هل يمكن أن يكون الشعب المصري رغم انه صاحب أقدم تاريخ ليست له ذاكره تاريخيه؟”

وأتذكر هنا عبارة نجيب محفوظ في رواية “أولاد حارتنا” “ولكن آفة حارتنا النسيان” ... ويحاول المؤلف أن يفسر لنا أسباب هذا الإهمال وعدم المبالاة “لعل هذه الظاهرة إحدى تركات عصور الجهل والظلام والاستعباد، التي تخلصنا منها بالأمس القريب” ويدافع المؤلف عن ذاكرة الشعب المصري معتمدا على هذا التراث الضخم من المأثورات الشعبية وهذه الألوان من الفنون الشعبية وهذه الحواديت والأمثال والألفاظ وغيرها مما يحتويه الفولكلور المصري: “ذاكرة الشعب المصري ليست أضعف من ذاكرة غيره من الشعوب، وبالرغم من انه شعب زراعي أساسا – والمجتمعات الزراعية تهتم بالطبيعة أساسا لا التاريخ – إلا انه لا ينسى بسهوله، ولا تزال تعيش في وجدانه رواسب وذكريات قديمه لا حصر لها، بتناقلها شفاهة جيلا بعد جيل، ولن نجد قرية مصرية ليست لها ذكريات تحتفل بمناسباتها عاما بعد عام، وإن مجرد بقاء الملاحم والسير والقصص الشعبية حية بين المصريين مئات السنين يرفع في حد ذاته اى مطعن عليهم بضعف الذاكرة” ويستأنف المؤلف دفاعه عن الشعب المصري، معبراً عن صدق إيمانه بهذا الشعب المجيد وعن عمق انتمائه إليه “ليس صحيحا أن الشعب المصري – أو أي شعب آخر – عاش خارج التاريخ، فالشعب دائما هو صانع التاريخ، والحكام والقادة والحكماء والنبلاء لا يعملون في فراغ، بل هم يتصدرون حقا أو باطلا، عدلاً أو ظلماً، حركة الجماهير. والشعب المصري بأبنائه من ملايين الفلاحين والحرفيين والمثقفين في مختلف العصور، هو الذي شيد الأهرامات العظيمة التي استقرت فيها أجساد الفراعنة، وهو الذي أخرج بدائع الفن القديم التي نسبها الحكام لأنفسهم، وهو الذي خاض الحروب وتحمل المحن وقاوم الزمن” ويقرر المؤلف أخيرا في جلاء ووضوح وحسم “أنه لم يكن أبدا خارج التاريخ، بل كان دائماً في معمعة التاريخ”

ويحدثنا المؤلف الذي انتهى من كتابه عن “وحدة تاريخ مصر” في بداية السبعينات عن المولد العلمي للإحساس بالتاريخ وبالدراسات التاريخية لدى الشعب المصري “نشاهد منذ نصف قرن على الأقل، أى منذ بداية النهضة الفكرية الحديثة بعد ثورة 19 اهتماما كبيرا بالدراسات التاريخية وبالمعالم الأثرية على السواء.. ولقد ولدت لدى الشعب المصري حاسة الإحساس بالتاريخ”، ولكن المؤرخين انقسموا في دراسة تاريخ مصر إلى مدرستين رئيسيتين - وأنا لا أجد مبررا عمليا واضحا لهذا الانقسام أو هذا الاختلاف -  يقول المؤلف “هناك مدرستان رئيسيتان، أحداهما تؤكد فكرة استمرارية مصر، وتتطرق أحيانا إلى حد الزعم بأن مصر الحديثة لا تزال فرعونية جوهرا، وان كل ما طرأ عليها من تغيرات لم يمس سوى القشور.

والثانية تؤيد فكرة تنوع مصر، وتتطرق أحيانا إلى حد الزعم بأن مصر العربية الإسلامية، أو على الأقل مصر الحديثة منبتة الصلة بما قبلها، وليس هناك بالتالي إطار واحد للتاريخ المصري، وليست هناك علاقة مابين المصريين المحدثين والمصريين القدامى الذين هم مجرد أمة بائدة من الوثنيين” والمؤلف يقف موقف الحكم بين هاتين المدرستين ويحاول أن يفسر لنا أسباب هذا الخلاف أو هذا الاختلاف “السبب الأول طول التاريخ المصري وتنوعه وتوزعه بين ثلاث أو أربع حضارات مستقلة هي الفرعونية والهللينية والبيزنطية والإسلامية بحيث أصبحت لا تربطه في الظاهر وحدة واحده”

ولعل المؤلف لم يذكر لنا مصر القبطية ووضع بدلا منها مصر الهللينية والبيزنطية متمشياً مع وجهة النظر السائدة في كتابة تاريخ مصر وبخاصة وجهة النظر الأوروبية أو الأجنبية وتأثر بعض المؤرخين المصريين بها.. ويستأنف المؤلف حديثه عن أسباب الخلاف بين المدرستين.. “والسبب الثاني أن التاريخ المصري لم يدرس بعد دراسة تحليلية تشريحية تنظر إليه ككل، وتحاول أن تبحث في أغواره عن خيط عام يربط بين مراحله وأجزائه”

والمؤلف، في موضوعية علمية، يستثنى من هذه الدراسات الجزئية التي تهتم بعصر واحد هذه الكتب والدراسات:

1/ “تكوين مصر” لمحمد شفيق غربال.

2/ “سندباد مصري” لحسين فوزي.

3/ “شخصية مصر” لجمال حمدان.

4/ “مصر ورسالتها” لحسين مؤنس.

5/ “دور مصر الحضاري” لفؤاد شبل.

6/ “في أصول المسألة المصرية” لصبحي وحيدة

وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى السبب الثالث “والسبب الثالث هو تصور وجود تعارض بين القومية والتاريخ” ويقول أخيراً أن “التاريخ المصري دوحة هائلة متماسكة الحلقات، تضرب بجذورها في أعماق الزمن”.. وبهذه الكلمات يؤكد المؤلف وحدة تاريخ مصر. وهو العنوان الذي اختاره لكتابه.. ويوضح لنا المؤلف موقفه ووجه نظره لتاريخ مصر وللشخصية المصرية”.. لقد أخذت تتبلور النظرة السليمة للتاريخ المصري والشخصية المصرية.. أنها نظرة لا تبتر الماضي ولا تعتبره في نفس الوقت عبئا على الحاضر أو قيدا جامدا عليه، أنها تركز على الحاضر، ولكنها تتسع للماضي، وتبحث فيه عن جذور الحاضر والمستقبل.. أنها صيغة خلاصتها وحدة واستمرارية التاريخ المصري، مع الإقرار بعدم جموده أو ركوده”

ويقول محمد العزب موسى محددا هدفه وغايته من تأليف هذا الكتاب “.. وهذا الكتاب محاولة للبحث عن خيط عام يربط مراحل التاريخ المصري، ويبرهن على أنه تاريخ شعب واحد لا شعوب متعددة”

ولكن لماذا هذا الانقطاع النفسي بين المصريين وتاريخهم؟ يحاول المؤرخ المصري أن يجد الإجابة على هذا السؤال أو هذا التساؤل: “يرجع هذا الانقطاع النفسي إلى أربعة أسباب رئيسية هي:

1/ الصراع بين المسيحية والوثنية في العصر القبطي وما أدى إليه من فصم وجدان المصريين الأقباط عن تاريخ أجدادهم المباشرين.

2/ موجه العالمية التي شارك فيها المصريون خلال ثلاث حقب متوالية وهى الهللينية والمسيحية والإسلام.

3/ تعريب مصر ودخولها نهائيا في حوزة العروبة والإسلام مما أعطاها مقومات جديدة من لغة وعقيدة وانتماء قومي وحضاري.

4/ تلك المحن التي تعرض لها المصريون في مختلف مراحل تاريخهم”

ولكنه يعود ويتساءل مرة أخرى، وكأنه يحاول أن ينفى وجود هذا الانقطاع النفسي رغم هذه الأسباب “هل معنى ذلك أن ثمة انقطاعا فعليا في تاريخ مصر، ولست أقصد بالطبع التاريخ الرسمي للحكام  ولكنني اقصد تاريخ الوجود الفعلي للشعب المصري في مجموعه؛ من هذه الزاوية سوف نجد أن تاريخ المصريين مستمر بلا انقطاع بل أن كل مرحله من هذا التاريخ بما فيها المرحلة الإسلامية العربية لها جذورها في المراحل السابقة ولها تأثيراتها في المراحل التالية”، وهنا أحب أن أوجه أنظار المسئولين عن التربية والتعليم والثقافة إلى كتب التاريخ في المدارس وفى الجامعات وما تحويه من أخطاء تاريخية وأكاد أقول أنها خطايا.. لأنها تتصل بالكيان المصري.. فردا ومجتمعا..

ويقول المؤلف في نهاية مقدمته الشاملة “عندما نتجاوز مرحلة الظلام العثماني إلى مطلع العصر الحديث في القرن التاسع عشر، يبدأ المصريون في تلمس تاريخهم والشعور بقوميتهم، وهذه من اكبر علامات الصحوة، بغض النظر عن الصراع بين الاتجاهات الثلاثة التي تنازعتهم، ولا تزال حتى الآن، -إلى حد ما- وهى الاتجاه الإسلامي والاتجاه الفرعوني والاتجاه العربي” ويؤكد لنا المؤلف هذه الحقيقة التاريخية التي يقوم عليها بناء هذا الكتاب “ومن المهم أن نؤكد منذ البداية أن النظرة إلى الماضي ليست معناها الرجعة أو الارتداد، ولا تتعارض مع الاهتمام بالحاضر والمستقبل، بل إن لم شمل تاريخنا والإحساس به يشعرنا بعمقنا التاريخي وأصالتنا الحضارية” .. وكأن المؤلف يريد أن ينفى وجود تعارض بين الأصالة والمعاصرة..

وبعد ذلك ننتقل مع المؤلف إلى هذه الرحلة التاريخية الأسطورية من الآن حتى بداية تاريخنا المصري تحت هذا العنوان “نظرة في أعماق التاريخ” ويقول في مستهل هذه الرحلة في الزمان” إن نظرة في أعماق التاريخ المصري تكفى لأن تصيب المرء بالدوار.. لنأخذ مثلا وحدة الألف عام، ونحاول أن نتوغل بها في أعماق الماضي المصري السحيق..

في المحطة الأولى – أي منذ ألف عام – سوف نشهد البدايات المبكرة لنشأة المجتمعات الغربية الحديثة حين كانت البيوت المالكة في غرب أوربا تجاهد لتثبيت إقدامها في عصر هيمنة الكنيسة والإقطاع وكانت القبائل السلافية والقوطية الشرقية تحط رحالها في الأراضي الشاسعة بشرق أوربا وهى لم تزل في مرحلة البداوة الأولى، ولم تكن الحروب الصليبية التي فتحت أعين الغرب على الحضارة الإسلامية العظيمة قد بدأت بعد.. في هذه المرحلة حين كانت أوربا كلها تتخبط في ظلام العصور الوسطى المبكرة، كانت مصر واحدة من أكبر مراكز الإشعاع في الحضارة الإسلامية.. وكانت تضع اللبنات الأولى في عاصمتها الحديثة – القاهرة – التي شيدها المعز لدين الله الفاطمي.

وفى المحطة الثانية – أي منذ ألفى عام – نشهد ذروة مجد الإمبراطورية الرومانية حين كان السلام الروماني يفرض على أسنة الرماح.. وسوف يحمل المسيح صليب آلامه في طريق الجلجثه، وسيرفع أنصاره على أعواد الصلبان أو يلقون بين مخالب الوحوش، وكانت مصر حينئذ تدخل لتوها في حكم روما، بعد أن دالت كدولة كبرى في عهد البطالسة ولكن عاصمتها الاسكندرية كانت – كمنارتها الشهيرة – لا تزال تشع النور في حوض البحر المتوسط.

وفى المحطة الثالثة – اي في بداية الألف الأولى قبل الميلاد – لم تكن حضارة الإغريق - وهى في الأساس الرسمي للحضارة الغربية والعالمية المعاصرة – قد بدأت بعد، فلا يزال أمامنا قرنان على ظهور هوميروس وخمسة قرون على ظهور هيرودوت ومفكري عصر بركليز.. وكانت مصر واحدة من أعظم دول العصر وأكثرها ثراء.

وفى المحطة الرابعة – أي في الألف الثاني قبل الميلاد – نرى الحضارة السامية العريقة في بدايتها الأولى.. إبراهيم أبو الأنبياء يخرج من بلدته أور في جولة بالمنطقة تنتهي بزيارة مصر لمحاجاة كهنتها في شئون العقيدة، وكانت مصر قد خرجت من قرون الظلام التي تلت انهيار الدولة القديمة، واستعادت مجدها في عهد الدولة الوسطى التي واصلت سيرة الأجداد العظام، وشيدت قصر التيه وأقامت الخزانات والسدود على النيل.

وفى المحطة الخامسة – اى في الألف الثالث قبل الميلاد – لم تكن ثمة حضارة أخرى إلى جانب حضارة الدولة القديمة في مصر سوى حضارة السومريين في بلاد الرافدين وبعض المراكز الفينيقية المتناثرة.. وكانت مصر في ذلك الوقت قد انتهت منذ قرنين أو ثلاثة قرون من تحقيق وحدتها الجغرافية والسياسية على يد مينا (حوالي 3200 ق. م)، واخترعت الكتابة والحساب لتدخل البشرية مرحلة التاريخ المكتوب، وسوف نراها عما قريب تشرع في إقامة تلك المعجزات الإنشائية الهندسية الجبارة المسماة بالأهرام.

وفى المحطة السادسة – أي في الألف الرابع قبل الميلاد – حين كانت البشرية ترسف في قيود العصر الحجري كانت مراكز المدنية والحضارة منتشرة في كل أنحاء الوادي، وكان كهنة رع وبتاح يرسون أسس المعارف والعقائد، وكان كهنة “اون” قد انتهوا منذ ثلاثة قرون من ملاحظة دورتي الشمس والشعري اليمانية (سيروس)، ووضعوا نظام التقويم الشمسي الذي لا تزال البشرية تسير عليه بتعديلات طفيفة.

يتبع........

البقية العدد القادم