عمرو الزيات يكتب : عبقرية البناء في قصة (يا فرخة ما تمِّتْ)

عمرو الزيات يكتب : عبقرية البناء في قصة (يا فرخة ما تمِّتْ)
عمرو الزيات يكتب : عبقرية  البناء في قصة (يا فرخة ما تمِّتْ)


ذكرنا منذ عامين تقريبا في مقال لنا أن ( الأديب الحق هو من يحمل رؤيته للعالم بحكم انتمائه الثقافي وموقفه الفكري، وتلك الرؤية يكون لها الأثر في تحديد أنواع التقنيات التي يلجأ إليها الكاتب في إبداعه.) ويأتي صديقنا وأستاذنا الحبيب الأستاذ الدكتور د. محمد دياب غزاوي مؤكدا صدق ما ذهبا إليه في هذه القصة، ومنذ العنوان توقن أيها القارئ أنك أمام رجل ذي أسلوب ساخر – وهذا الأسلوب أفضل وأحب الأساليب إلينا – ( والأديب الساخر ذو قدراتٍ خاصةٍ متنوعة، أولها موهبته الفطرية، فأسلوب الكتابة – في عمومه - موهبةٌ قبل كلِّ شيء ثم تأتي عواملُ أخرىٰ كثيرةٌ تصقل تلك الموهبةَ وتنميها. أما ثانيها فرُوحه الناقدة التي تستطيع وضعَ يديها على العيوب وتبرزها، ثم تصف العلاجَ المناسبَ لما يعرو الأشخاصَ والمجتمعَ من أمراضٍ سلاحها السخرية والفكاهة.) – من كتاب لنا تحت الطبع عن مقامات الغزاوي.
ومن عجيب الملاحظة وطريفها على تلكم القصة ذلك التوظيف البديع لشخوصها:
1- الابن الأصغر: سأل ابنه الأصغر: ما الذي يحدث, لكن الطفل انتحى جانبا بكرة كانت في يده, ما الأمر؟! ما الذي حدث؟ ما الجديد في الحارة؟ وما الذي جعلها تكتسي ثوب الفرح؟! ترى ما الذي حدث؟!
شخصية الابن سلبيه لا تتأثر لحيرة الأب؛ وذلك بدهي؛ فأصغر الأبناء لا تشغله إلا تلك الكرة، لم تمارس عليه الحياة تقلباتها، ويجهل مراد أبيه من جيوش الأساليب الاستفاهمية المتلاحقة؛ فهو عنها في شغل، وإن فارت في نفس والده كالحمى.
2- عم محمود البقال: أحد الجيران سكان الحارة وفي الحواري يتربص البشر ببعضهم؛ لا أسرار، لا خصوصيات، وهنا يفرخ الحسد والنظر إلى ما في أيدي الآخرين، مقدمات يسوقها صاحبنا في خفاء، تمهيدا للقنبلة الذي يطلقها في آخر قصته، فيترك القارئ محوقلا متألما لم ألم بصاحبنا.
3- خالته الست سعاد: تلك الخالة طيبة القلب التي لا تخلو حياتنا من صورة لها، وإن اتخذت اسما آخر فالطبع واحد والنعوت هي هي، تلك الخالة التي يسعدها أن ( يجبره الله ) وفي جبر الله للقلوب لذة لا يعرفها إلا هؤلاء الكادحون.
4- هبة الابنة الكبرى: الاسم يدل على إيمان بأن كل ما نرزق به هو هبة من الله، الصحة منحة، والأبناء – وإن كانوا بناتا هبة ومنحة من الله – وفي اختيار لاسم إشارة خفية لعلاقة صاحبنا بالله، وقوة إيمانه به, وهو راض بقضائه وإن اعتصر الألم قلبه حزنا على أبنائه.
اختيار عجيب كما أسلفنا؛ بيد أنه ليس غريبا على الغزاوي؛ فهو يملك تلك المهارة والمقدرة على تجسيد ما يريد من أفكار إن شعرا وإن نثرا.
أما عن نهاية قصته فقد أوهمنا منذ العنوان أن النهاية ستكون حول ( الفراخ ) وأنا شخصيا توهمت ذلك، وقلت لنفسي: لما سارع بالنهاية منذ العنوان مخالفا أسس القصة؟! ثم سارعت وقلت: لا، بل هو شرك وفخ نصبه الغزاوي لنا، فجاءت النهاية بعيدة البعد كله عن الفراخ – والصبر على عدم تناولها هين في ظل الغلاء وتوحش الأسعار – فكانت المفاجأة المدوية،(أم أشرف) لم تكن إلا نذير شؤم وخراب، وكأني بصاحبنا يتمثل بقول الحطيئة:
أُطَوِّفَ ما أُتَوِّفُ ثُمَّ آوِي
إِلى بَيتٍ قَعيدَتُهُ لَكاعِ
فصدمته وألقمته هذا الحجر في وجهه: (فريزر الثلاجة أتخرم من السكينة وأنا بطلَّع كيس الفراخ! )