أخبار عاجلة

محمود عابدين يكتب: أدهم الشرقاوى الذي أعرفه

محمود عابدين يكتب: أدهم الشرقاوى الذي أعرفه
محمود عابدين يكتب: أدهم الشرقاوى الذي أعرفه
لفت انتباهي أثناء سفري من القاهرة إلى المنصورة بالقطار، حديث بعض الشباب الجامعي عن أدهم الشرقاوي، ودوره في مقاومة الإنجليز، ولأنني سبق وألف كتابا بعنوان " شخصيات صنعت تاريخ مصر"، وكان "الشرقاوي" أحد هذه الشخصيات، فقد استأذنت هؤلاء الشباب بالاشتراك حديثهم عنه، فرحبوا جدا، وبدأت الحديث بالقول إنه في عام 1919، أى نفس عام الثورة التى قام بها الزعيم سعد زغلول ضد ظلم وطغيان الإنجليز.. ظهر شاب مصرى جرئ وحر.. كان يكره الاستعمار ويغار على عرضه وأرضه.. هذا الشاب تحول فى التراث من رجل عادى إلى أسطورة شعبية ضد الظلم والطغيان.
أدهم عبدالحليم عبدالرحمن الشرقاوى هذا هو اسم البطل المصرى الذى رفض إذلال المحتل للمصريين.. فثار وكون عدداً من زملائه الشباب وقاوم بهم الإنجليز حتى آخر نفس فى حياته.
بدأ أدهم رحلته ضد المحتل عندما تعرض له أحد الضباط الإنجليز لقيادته لتمرد داخل السجن الذى سجن فيه بسبب قضية ملفقة لا علاقة له بها وكان كل ذنبه أنه وقف فى وجه مأمور إنجليزى اسمه "ياكيت."
قيل إن «الشرقاوى» حرض بالفعل السجناء ضد الإنجليز لينالوا حريتهم السليبة وليس لسبب آخر وبعد أن كون رأياً عاماً داخل السجن من المعارضين والكارهين للمحتل.. أخذ يبث فيهم روح الكفاح لرد الاعتبار لكل من أهين أو سلب حقه أو اعتدى على عرضه وسرقت أرضه.
ورأى الناس فى هذه الشخصية نموذجاً وطنياً يحتذى به.. فاتبعوه وتغنوا بجرأته ضد الإنجليز وإنصافه للفقراء والمساكين من الظالمين حتى إن العديد من أهالى قرية زبيدة مركز إيتاى البارود التى ينتمى إليها الشرقاوى قد لقبوا أولادهم بنفس الاسم وذلك تيمناً بهذا البطل.
من المواقف التى غيرت حياة أدهم الشرقاوى وجعلته ينقلب للنقيض أيضاً.. هو مقتل عمه على يد ضابط إنجليزى.. فما كان من "أدهم" إلا أن نال من هذا الضابط على مرأى ومسمع من المحتلين.. وبهذا الفعل.. ذاع صيت هذا الشاب.. ولجأ إليه الفلاح المظلوم والمرأة المكلومة والطفل اليتيم لنصرتهم.
من الأمور التى تثير الانتباه هى أن الرئيس الراحل محمد أنور السادات كان يعتبر أدهم الشرقاوى مثلاً أعلى له.. وهذا الموقف بحد ذاته يدحض مزاعم كل من وصف هذا الشاب الوطنى العظيم بأنه كان لصاً وقاطع طريق.
لقد تعمد المعتمد البريطانى تشويه صورة أدهم الشرقاوى بعد أن حرض على قتله بواسطة أحد الجنود الهجانة برصاص الإنجليز الذين واجهوا العديد من الشباب المقاوم بعد مقتل رمزهم الوطنى.. وهنا حرص المعتمد البريطانى على فعلته حتى لا يظهر لهم أبطال آخرون على نفس الشاكلة.. وباستشهاد هذا الشاب عن عمر يناهز الـ«23 عاما».. فقد أسدل الستار على رمز وطنى أذاق المحتل بعض المرارة على تجرئه واحتلاله أرض مصر والعبث بمصير المصريين.
كان أبيض اللون مستدير الوجه، يمتلك ذكاءً لافتاً، وقوة خارقة وصلت إلى حد القول بأنه كان يرفع رحى الطاحونة الثقيلة بمفرده، وكان يتبارى مع فتوات عصره فيهزمهم، كما أنه كان فارساً يجيد ركوب الخيل، وسباحاً ماهراً، ألحقته أسرته بالتعليم فى مدرسة الشوربجى بكفر الزيات وتعلم فيها الإنجليزية التى كان يتحدثها بطلاقة، وهو الأمر الذى وظفته السيرة الشعبية وحين قتل أدهم نقلت الصحافة وقتئذ الخبر:
- «مقتل الشقى أدهم عبدالحليم عبدالرحمن الشرقاوى»، هو فى نظر السلطة شقى ولص، والبعض يعتقد ذلك فى الحقيقة، لكنه فى نظر الآخرين والرواية الشعبية بطل امتلك القدرة على منازلة السلطة والضحك عليها، ونجاحه ضدها فى كل الجولات، وصاغها الخيال الشعبى على هذا النحو، فكيف جاء ذلك ؟، ولماذا؟.
أدهم الشرقاوي - فى الحقيقة - فتى دخل السجن بعد تصميمه على الأخذ بثأر عمه محمود الشرقاوى الذى تم قتله بإيعاز من إبراهيم حافظ، الذى كان يمتلك عزبة مجاورة لأرض الشرقاوى، ولما علم إبراهيم بنية أدهم دبر له محاولة قتل، اكتشفها أدهم، وقتل أحد الذين تم استئجارهم لقتله، ودخل السجن على إثر ذلك، وفى السجن يقابل عبد الرؤوف عيد قاتل عمه فيقتله ثأرا، ويستطيع الهرب، فى عملية تؤكد قدراته الخارقة حيث يخلع بوابة الزنزانة فى هدوء، ويقيد حارسه بالسلاسل، ويهرب مع زملائه فى الزنزانة بعد معركة دامية مع البوليس سقط فيها ما يقرب من ثمانين قتيلا، وتبحث عنه السلطة فى كل مكان.
وفى رحلة القبض عليه تقع مغامرات عديدة من أدهم، يتنكر مرة فى شخص يتحدث بلغة أجنبية وكأنه خواجة، ومرة يرتدى لبس سيدة، ومرة يتنكر فى شكل غير شكله، ويدور كل ذلك فى مسار الشخص الذى يمتلك القدرات الخارقة التى لا يستطيع غيره فعلها، ولا تستطيع السلطات كشفها، يقتل أدهم صهر وزير الأوقاف، فيطير لب السلطات من هذا الفعل القادر، وتتواصل المغامرات، وتفشل السلطات فى الإيقاع به بكل الوسائل المعروفة لديها، حتى تتوصل «طبقا للسيرة الشعبية» إلى أنه لن يقتله إلا أعز أصحابه بدران، الذى تنجح السلطة فى استمالته، قالت السيرة الشعبية ذلك رغم أن مقتل أدهم فى الحقيقة تم من البوليس.
وواصلت حديثي للشباب قائلا: بين الحقيقة والخيال تأتى سيرة أدهم التى تحمل فى سطورها معنى تحدى السلطة الأجنبية ومقاومتها لا يهم فى ذلك أن تكون هذه المقاومة من قطاع الطرق أو اللصوص، فهو يتسامح فى ذلك طالما أن السلطة ظالمة ومتجبرة، ولا تقيم العدل لرعاياها، ووصلت درجة ارتقاء الخيال الشعبى بأدهم إلى أن السيرة لا تريد أن يكون مقتله قد تم من السلطة مباشرة، وإنما من أعز أصحابه فى دلالة على فشلها معه. وأثناء مراجعه هذه المادة .
وفي هذا السياق، أفادني صديقي وزميلي الصحفي الكبير الأستاذ علي القماش – رئيس لجنة الأداء النقابي وأحد الصحفيين القلائل المتخصصين في الآثار - بمعلومة أخرى عن "الشرقاوي" قائلاً إن "الإنجليز لم يقتلوا عمه.. بل قتله مستأجرون بتحريض من شخص يدعى ابراهيم حافظ ..فقام أدهم بقتله وسجن ..خاصة مع شهادة عمه عبد المجيد بك الشرقاوي ضده.
وفي المحكمة حاول قتل أحد الشهود .. الأمر الذي تسبب فى زيادة فترة سجنه.. وفي السجن التقى بقاتل عمه حيث كان يقضي فترة عقوبة ويُدعى عبد الرؤوف عيد.. فقتله هو الآخر.. وبعدها حكم عليه بالأشغال الشاقة. وعندما قامت ثورة 1919..حدث "هرج" في السجون.. ولم يترك "الشرقاوي" الفرصة.. بل شجع المساجين على الهروب بدافع وطني وهو أنهم يموتون في الخارج ونحن هنا مساجين مثل الفراخ.. وبذلك استطاع كسر الزنزانة وربط بها الحارس وهرب.. بعد ذلك قام بعمليات سطو فى بلدته ليظهر ضعف عمه الذي شهد ضده حتي يستبعدوه من منصب "العمودية".
يضاف إلى ذلك أن "الشرقاوي" كان يبتز العمد والأعيان مقابل الحفاظ على أرواحهم.. في المقابل كان يتعاطف مع الفقراء ولم يتمكن الإنجليز ضبطه بسبب تنكره المستمر.. مرة يرتدي جلباب امرأة وأخرى يغير ملامح وجهه ويتحدث الإنجليزية بطلاقة كما لو كان خواجة أصلى....إلخ . 
وظل على هذه الحال إلي أن اختلف مع أحد أقربائه ويُدعى حمود أبو العلا حمروش.. فوشى به عند البوليس وأخبرهم عن مكان اختبائه.. فأرسلوا إليه خفيرا سودانيا يُدعى محمد خليل ..وقُتل "الشرقاوي" على يد هذا الخفير .. ومن ثم يكون "بدران" بريئاً من دمه.
ويؤكد "القماش" أن "بدران" كان على قيد الحياة حينما غنى الفنان المتألق محمد رشدي أغنية "الشرقاوي" وصحح له هذه المعلومة.. مشددا على أنه برئ من دم صديقه.. فما كان من "رشدي" إلا أن صحح الموال ليصبح: "آه يا خوفي يا صاحبي ليكون ده آخر عشا لي".. وذلك بدلاً من :"يا خوفي يا بدران ليكون ده آخر عشا لى".. وأنا بدوري أشكر الأستاذ "القماش" على هذه المعلومات القيمة حتى تتطلع عليه الأجيال الحالية والقادمة، وذلك من باب السعي خلف الحقيقة، وليس إلا، ومع ذلك أريد أن ألف انتباه قارئ هذا المقال، أنني أرحب، وبشدة لأي رأي أخر مبني على حقائق ومستندات عن الشرقاوي، وذلك من باب الانصاف للحق.. ومع اقتراب محطة المنصورة، كان حديثى مع شبابنا الجامعي عن "الشرقاوي" قد انتهي، فودعت الشباب على أمل أن ألتقيهم في رحلة أخرى للحديث عن بطل مصري آخر، وهو البطل "جواد حسني"، إن كان في العمر بقية.