أخبار عاجلة

الشاعر والكاتب شعبان يوسف لــ «صوت بلادى»: وقعت فى غواية البحث و النقد الأدبى و روحى تعلقت به رغم إغواء الشعر ومغامراته اللغوية والصورية

الشاعر والكاتب شعبان يوسف لــ «صوت بلادى»: وقعت فى غواية البحث و النقد الأدبى و روحى تعلقت به رغم إغواء الشعر ومغامراته اللغوية والصورية
الشاعر والكاتب شعبان يوسف لــ «صوت بلادى»: وقعت فى غواية البحث و النقد الأدبى و روحى تعلقت به رغم إغواء الشعر ومغامراته اللغوية والصورية

 

حاورته : چاكلين جرجس

 

  • نعيش فى مجتمع ذكورى و سيادة مناخ ثقافة ذكورية ، و الثقافة المتوارثة عملت على تهميش المرأة

 

  • ورشة الزيتون وفرت قدرا واسعا وعميقا من الحركة الثقافية وجدوى تفعيلها وتأثير فعالياتها، بعيدا عن الأروقة الرسمية الخلّابة والخادعة

 

  • الحياة الثقافية تحتاج إلى رصد ميزانية تليق ببلد كبير مثل مصر

 

  • الآخر هو رمز الحوار الثقافى المحمود بين الشعوب

 

  • الجهات المتطرفة لم تستطع الهيمنة على الساحة الإبداعية لوجود أصوات تقدمية وعلمانية واضحة على الساحة

 

أجده بالأمر العسير أن تحاور شخصية هذا العدد ؛ فهو الملقب بخازن أسرار وحامل مفاتيح الحياة الثقافية المصرية ، أن تجد نفسك أمام مثقف مخضرم و شاعر يبحر فى اللغة وصورها في معزوفات لغوية وأدبية وفنية رائعة تفيض بمشاعر إنسانية تعكس الكثير من مفردات واقع حياتنا ، فتجده يحجز لنا معه " مقعد ثابت في الريح " ، ويضيف إلى معارفنا   "معاودات وليس معلومات " ، و حول دنيا الأمس بكل ما عاش فيها من أحداث ومواقف وعلامات فارقة أدهشته وأدهشتنا لغرابة توقيت وقوعها " كأنه بالأمس فقط " ،و عندما نغمض أعيننا نجد أنه يؤكد لنا أنها " تظهر في منامي كثيرًا " ، لكننا بتنا  نفضل العزلة ربما لإقتناع شاعرنا بـوجود " أكثر من سبب للعزلة " ،ونروح معه في  " أحلام شكسبيرية "،  ويبقى كاتبنا حائرًا مندهشًا أمام تساؤل مُلح " لماذا تموت الكاتبات كمدا؟ "..

إنها بعض عناوين من إصدارات مبدعنا الغزيرة والرائعة التى تعبر بالقارئ شطأن الحياة بكل ثراء وتنوع موجوداتها ،  وكاتبنا ناقد وباحث أمين ومبدع كان ولازال يخوض بنا فى جولات لها طابعها التاريخي والثقافي والتنويري حتى لو كلفه ذلك الخوض في معارك ثقافية مصرية وعربية ووطنية .. مع الشاعر و الكاتب المسؤول عن ورشة الزيتون الثقافية فى عامها الواحد و الاربعين يفتح قلبه وخزانة أسراره الثقافية لصوت بلادى ..

 

بعد إبحاركم في عالم الشعر و البحث الأدبى و النقد ، تُرى ما السبب الذى جذب مبدعنا الكبير نحو العمل البحثي، لتغلبه في أحيان كثيرة على الجانب الإبداعي في مجال الإسهامات الشعرية وكيف تقاوم جاذبية إلهاماتها

 بالفعل وقعت فى غواية البحث و النقد الأدبى وأن روحى تعلقت به رغم إغواء الشعر ومغامراته اللغوية والصورية ؛ ربما وجدته أكثر متعة و فائدة لذلك حدث نوع من التحول أو التغيير النسبى، كان ذلك بعد إصدارى لسبعة دواوين ومجموعة شعرية ؛ لكن تراكمت عندى كثير من الأسئلة التى يجب الرد عليها ، وتوضيح مساراتها، خاصة فى التاريخ الثقافى ، مثل استبعاد كتّاب بعينهم من الوجود أو الانتشار لحساب كتّاب آخرين، وجرفتنى غواية البحث فى التاريخ، فكان التحول ضرورة لم أستطع الفكاك منها .

 

 

 معلوم أن لديكم حوالى سبع دواوين شعرية و العديد من الكتب الفكرية .. فما هو أقربهم إليكم ؟

 سأقول لكِ مثلما يقول التعبير الشائع: "كلهم أبنائى"، فمثل كل ابن له قصة وطبائع وتأثيرات مختلفة، فكل كتاب كذلك له حضوره المختلف، لكن دعينى أقول لك: إن الدواوين الشعرية التى ارتبطت بروحى جدا مثل ديوان "كأنه بالأمس فقط" مازال يهيمن ويسيطر ويفرض استعادته، رغم مرور أكثر من عشرين سنة على صدوره، ولكننى عندما أدعى إلى أمسيات شعرية فى مصر أو فى خارجها، أجدنى بشكل تلقائى أصطحب هذا الديوان لأقرأ بعضا من قصائده.

 

فى رأيكم ما هى المسيرة الأبرز للدكتور الراحل  مصطفى محمود  ، وفق ما أشرتمإليه فى كتابكم " علمانية مصطفى محمود المنكسرة " ، و ما سبب وصفكم لعلمانيته بالمنكسرة ؟

 أصف علمانيته بالمنكسرة ؛ لأن مصطفى محمود بدأ متمردا، وظلّ كذلك حتى مطلع عقد السبعينات، وتحول تحولا شبه جذرى، كما اشرت فى كتابى إلى التغيرات الكبرى التى أصابت الدكتور مصطفى محمود فى رحلته الفكرية ؛فعندما نشر مصطفى محمود مجموعته القصصية الأولى "أكل عيش" عام 1955 وبدت فيها ملامح تمرده الحادة على المجتمع ، كانت فرصة عظيمة لكى يعمل مصطفى محمود على تطوير أدواته الفنية والكتابية ويدخل غمار كتابة المقال الأدبى، بشكل شجاع وموسع، وأبدع فى ذلك سلسلة مقالات قوية لاقت قبولا ورواجا كبيرين على كافة المستويات الجماهيرية والنخبوية، وبدت تلك المقالات وكأنها امتداد لأفكار كان قد طرحها الشيخ على عبد الرازق عام 1925 فى كتابه "الإسلام وأصول الحكم" وأفكار الشيخ خالد محمد خالد فى كتابه "من هنا نبدأ" المصادر عام 1950.

 ولكن حضور يوسف ادريس الطاغى، وتعاطى النقاد والحياة العامة مع إبداعه، واهتمام الدولة به، أحبط كتّابا آخرين، وهذا ما أوضحته فى كتابى "ضحايا يوسف ادريس"، إلا أن عمل مصطفى محمود الصحفى جعله يدخل فى قضايا الفكر الدينى، فكتب كتابه الأول "الله والانسان"، ووجد هذا الكتاب رواجا كبيرا، وكذلك وجد رفضا أكبر من المؤسسات الرسمية والدينية على وجه أخص، وهذا ما دفع مصطفى محمود لتطوير أفكاره وتجريبها على مدى أكثر من عقدين.

كيف ترون دور وأثر فكر دعاة تهميش المرأة ، وكيف يمكننا دعم مقاومة المجتمع لافكارهم المغلوطة ؟ 

   دعاة نهميش المرأة بالطبع رأيى فيهم  قلته بكل وضوح عبر  كل ما أكتبه، فنحن نعيش فى مجتمع ذكورى وثقافة ذكورية ، و الثقافة المصرية عملت فى إحدى فتراتها على التهميش ،و كتابى "لماذا تموت الكاتبات كمدا"، هو بمثابة بحث متعمق وغزير في ظاهرة التهميش والإقصاء المتعمد، التي طالما عانت منها الكاتبات العربيات. والتخلص من أفكارهم يحتاج لتكريس العدالة الاجتماعية بين الجميع، والديمقراطية الحقة التى لا تصادر صوتا لحساب صوت آخر.

هل مازلتم ترون أن الكاتبات تموت كمدًا كما استعرضتم فى كتابكم الهام .. أم تغير الوضع الأن و أصبح للمرأة رأى و صوت وحجة أكثر قوة و تستطيع أن تثبت وجودها و موهبتها فى أى مكان و تحت أى ضغوط أو ظروف ؟

   عندما كتبت :"إذا كانت قضية المرأة عمومًا، قد أخذت مساحات من الانشغال واسعة، إلا أننا نرى أن قضية المرأة الكاتبة والشاعرة والساردة والأديبة، أنها لم تأخذ حقها في البحث والتنقيب، وسنلاحظ أن المواقع تتبدل وتتغير بين جيل واَخر نحو قضية المرأة الكاتبة، فمازالت الكاتبات حتى الاَن مستبعدات بشكل عنيف، و من هنا انطلقت فكرة الكتاب خاصة عندما اصطدمت بأفكار صادمة وجدتها راسخة لدينا وهى أن المجتمع لا يسمح للكاتبات بالانطلاق ولا يتيح لهن ما للرجال، لم يكن لدينا مجلة يسارية واحدة انتصرت للمرأة خلال حقبة الخمسينات والستينات، كما أننا لم نمتلك شاعرة عامية واحدة حتى ثمانينات القرن الماضى، وعندما ظهرت الشاعرة فريدة إلهامى وكتبت قصائد مهمة وبديعة لا تقل عن قصائد شعراء كبار، لم يلتفت لها أحد وتم تهميشها أيضًا. حاولت أنا فى الكتاب أن أنتصر لهن،  وطبعا مازلت أرى أن الكاتبات تموت كمدًا، ولدينا شاهد كبير هو انتحار الكاتبة المغربية نعيمة البزاز بعد مطاردة المتطرفين لها حتى بعد أن هجرت بلادها، وحتى بعد رحيلها لم يوقفوا هجومهم عليها.

 

نريد أن نعرف أكثر عن تاريخ و إسهامات ورشة الزيتون و ماهو تقييمكم لدورها في عامها  الواحد و الاربعون؟ و هل خرج من تحت عباءتها مبدعون جُدد ؟

    ورشة الزيتون لم تكن مكانا بقدر ما هى مكانة منذ العام 1979، والتى شاركت فى تأسيسها مع الرجل العظيم دكتور فخرى لبيب، كان اسمها عند التأسيس النادى الأدبى الثقافى فى عام 1991، ومع وفاة يوسف إدريس، تحول الإسم ليصبح ورشة يوسف إدريس للإبداع والنقد، و أخيرا أصبح الاسم هو ورشة الزيتون فى العام 1996، لم تكن هناك هيئة تدعمنا أو رجل أعمال يمولنا، بل قامت على أكتافنا، وفيها استضفنا مئات من المبدعين والكتاب المصريين والعرب، و كتّابا كبارا من طراز جمال الغيطانى وجابر عصفور وابراهيم أصلان وبهاء طاهر ويوسف القعيد ولطيفة الزيات وسعيد الكفراوى ونبيل سليمان ومحمد الفيتورى وبثينة خضر مكى ، كما استضفنا كتابا شبابا لا حصر لهم، وأصبحوا مؤثرين فيما بعد فى الحياة الثقافية عموما، وكان أهم ما يحدث فى ورشة الزيتون، أننا نستضيف الصوت الذى تستبعده المؤسسات الأخرى، وربما تتعالى عليه، وكنا ومازلنا المكان الذى يلبى الحاجات الناقصة فى الحياة الثقافية، مثلما فعلنا مؤخرا وأقمنا ندوة حول "لبنانيون فى القاهرة" استجابة للحدث الكارثى فى لبنان ..

 

كيف ساهمت «ورشة الزيتون» التي أسستها،في تحريك الفكر النقدي. ؟

   عندما استقر بي المقام في «ورشة الزيتون»، وكانت معي كوكبة من شباب الحركة الأدبية، شعرت بأن الورشة ستوفر لي قدرا واسعا وعميقا من الحركة الثقافية وجدواها وتأثير فعالياتها، بعيدا عن الأروقة الرسمية الخلّابة والخادعة في الوقت ذاته ، كان الناقد الكبير إبراهيم فتحي، يناقش أسبوعيا نصوصا روائية أو شعرية أو قصصية، وكذلك يعطي دروسا بالغة الأهمية في النقد الأدبي اعتقد أن الورشة لعبت دورا محوريا وذا تأثير في الحياة الثقافية المصرية والعربية، وما من مثقف مصري إلا وقد أدلى بدلوه في نشاط الورشة، وبهذا اعتقد أن الورشة قدمت وما زالت تقدم رسالة خاصة جدا في الثقافة المصرية والعربية، كل هذا ساهم فى تحريك المياه الراكدة.

 

كيف ترون دور لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة ، و هل بالفعل تساهم بشكل فاعل في دعم الشعراء الجدد  ؟

   من المفترض أن تخدم لجنة الشعر الحياة الشعرية العامة، وبالفعل حاولنا ذلك بشتى الطرق، ولأن اللجنة تنطوى على تيارات وأجيال مختلفة، فكان هذا الأمر يعوق فكرة الاتفاق التام على فكرة معينة، وفى المؤتمر الأخير الذى انعقد فى يناير السابق، حاولنا أن يكون المؤتمر ممثلا لكافة الأجيال والتوجهات المتنوعة فى العالم العربى كله، ومنحنا الجائزة للشاعر البحرينى الكبير قاسم حداد.

 

 

هل ترون أن الدولة المصرية فى الماضى كانت تولى اهتمام أكبر بالثقافة و المثقفين من حالها الأن ؟ و عليه ما رأيكم فى أداء وزارة الثقافة حاليًا ؟

    لست مشغولًا كثيرًا بمسار الوزارة ؛ ربما الأداء أصبح مختلفا عن ما قبل، وأعتقد أن هناك مكاسب ثقافية حدثت فى الآونة الأخيرة، ولكنها تحتاج إلى ترشيد وتقويم وتنقيح كذلك، ورصد ميزانية تليق ببلد كبير مثل مصر، فالميزانية المرصودة فى الموازنة العامة غير كافية على الإطلاق.

هل ترون أن للمثقفين دورا فاعلا فى مجتمعنا ؟

   أعتقد من الممكن أن يكون ذلك، ولا يخفى أن المثقفين قاموا بدور كبير ومهم فى إزاحة جماعة الأخوان من الحكم، وأنا شخصيا عشت تجربة مهولة باعتصام وزارة الثقافة الرهيب فى مايو 2013، عندما التحم المثقفون بالشارع التحاما قويا، وكان تأثيرهم قويا وملموسا.

 

فى رأيكم أيهما ينال قبولا من المتلقى ؛ الشعر الحر أو " شعر التفعيلة " أم الشعر العمودى ؟

   كل نوع من  الشعر له جمهوره ومتلقيه وقارئه، وهناك مؤسسات متنوعة ترعى كل توجه أو طريقة، وكذلك هناك مؤسسات ديمقراطية تستطيع أن تتعاطى مع الأنواع الثلاثة للشعر، وفى لجنة الشعر عندما كنا نقيم أمسيات شعرية، كنا نحرص على تمثيل كل الطرق، وكان رائدنا فى الاختيار، هو الجودة، وليس نوع التوجه.

 

من أنواع الشعر المعروفة الشعر الغنائى فمن وجهة نظركم لماذا اختفى  الاوبريت  الغنائي من الافلام بينما كان يدعم قصة الفيلم فى الماضى ؟

    هذه قضية يعرفها أهل الفن أكثر منى، ولكننى أعتقد محاولة الفنان أن يكون بطلا وحيدا دون منافسين، هى التى ساهمت فى ذلك، وسار خلفهم الشعراء، فكانت أم كلثوم بطلا وحيدا، وكذلك عبد الحليم حافظ وهكذا.

 

نجد أن بعض القصائد تتحدّث عن الآخر، من هو الآخر بالنسبة إليكم ؟هل ترون أن مجتمعنا يتحلى بصفة قبول الآخر ؟

   الآخر هو رمز الحوار الثقافى المحمود بين الشعوب ،الآخر متعدد، دينياً أو اجتماعياً... وموجود في كل مكان، حتى في منزلك، لكننى أقول بوضوح إن مجتمعنا أصبح ممعنا فى التمييز وضليعا فى التفريق والعنصرية، وحدث هذا مع اشتداد عود الجماعات المتطرفة الدينية، والتى تجد دعما من جهات متطرفة فى العالم، فأصبحت المرأة عورة، ولا بد من سترها أو تغييبها أو حتى قتلها ،وأدها، لو ارتفع صوتها، كذلك الآخر الدينى أصبح عدّوا ونقيضا، ويجب التخلص منه بشتى الطرق، أو تجنيبه واستبعاده ونفيه وربما طرده وإجباره على الهجرة، وهذا كله بسبب تعملق الجماعات التكفيرية المتطرفة، ولا أستبعد وجود صدى ما فى الأدب عموما، ولكنه لم يستطع الهيمنة فى الساحة الإبداعية لوجود أصوات تقدمية وعلمانية واضحة على الساحة.

كاتبنا الكبير واحد من أبناء جيل السبعينيات.. ما الذي تبقى من ذلك الجيل ومقولته الشهيرة " نكتب للمستقبل " ونحن وصلنا لذلك المستقبل؟

    كنت أول من تمرد على فرضيات جيل السبعينيات النقدية والشعرية، رغم أنني أصدرت كتاباً عنوانه «جيل السبعينيات.. الجيل.. والحركة»، وصدر عن المجلس الأعلى للثقافة، ورصدت فيه قناعاتي الفكرية والنقدية، وربما كنت مختلفاً حول فكرة الانبهار شبه المطلق باللغة، وذلك الانسحاق التام أمام التجديد المطلق في الشكل، واللعب باللغة بكل الطرق والإمكانيات، واعتقد أن مقبرة واسعة ستضم قدرا كبيرا من شعر السبعينيين، من وجهة نظر خاصة جدا، أن شعراء السبعينيات في مصر، وربما صاحبهم بعض شعراء في العالم العربي، ساهموا بامتياز في عزل الشعر عن قارئه وعن جمهوره تحت شعارات نقدية .