عماد جاد يكتب: حريــة الاعتقـاد

عماد جاد يكتب: حريــة الاعتقـاد
عماد جاد يكتب: حريــة الاعتقـاد

يبدو أننا نسير خطوات سريعة إلى الخلف فى كل ما يتعلق بالحريات مثل حرية الرأى والتعبير وحرية الاعتقاد، وذلك بالتناقض مع مواد دستور البلاد الموضوع عام 2014 وما قبله من دساتير، وقد اعتاد المصريون صدور بعض الأفكار الشاردة من قبَل بعض نواب البرلمان من حين إلى آخر، ففى زمن الإخوان سمعنا عن توجهات لإصدار تشريعات بخفض سن الزاج للسماح بتزويج الأطفال، وفى برلماننا الحالى طرح أحد النواب فكرة التقدم بمشروع قانون لحماية ما سماه «الرموز التاريخية» من النقد، وقد تراجع بعد موجة نقد شديدة، وبالأمس القريب طرح نفس النائب فكرة مشروع قانون بتجريم الإلحاد وفرض عقوبات على الملحدين، معتبراً أن الإلحاد يمثل ازدراء للأديان لأن الملحد لا يؤمن بأى منها، ومن ثم فهو يزدريها، الأمر الذى يستوجب فرض عقوبة عليه تصل إلى السجن. وقد أثارت هذه الفكرة جدلاً شديداً فى المجتمع، وناقشتها بعض برامج «التوك شو» فى الفضائيات المصرية، وخرج الرجل ليشرح فكرته، وردّ عليه بعض الحقوقيين والعاملين فى مجال حقوق الإنسان. وفى تقديرى أن مثل هذا المشروع لن يرى النور، فلا تنزعجوا من طرح مثل مشروعات القوانين هذه التى لا وجود لها فى العالم اليوم إلا فى الدول الديكتاتورية ذات الدين الواحد وربما الطائفة الواحدة، وليس بها مجتمع مدنى قوى وحركة مدنية قوية وأيضاً محكمة دستورية عريقة كما هو الحال فى مصر.

بدايةً، هذا المشروع يُعتبر مخالفاً للدستور المصرى الذى ينص على أن حرية الاعتقاد مطلقة، صحيح أن الدستور قصَر ممارسة الشعائر على أصحاب الديانات الإبراهيمية، وصحيح أننا لدينا مشاكل حتى فى حرية ممارسة الشعائر الدينية للمسيحيين المصريين بسبب الأجهزة الأمنية والتعاون التحتى بين هذه الأجهزة والمجموعات السلفية التى تتولى إغلاق الكنائس والاعتداء عليها وتدمير محتوياتها ومقدساتها، وصحيح أننا كنا نتمنى أن تكون حرية ممارسة الشعائر متاحة لكل صاحب اعتقاد والله سوف يحاسب الجميع على الأفكار والأعمال.

أما فيما يخص حرية الاعتقاد فالنص الدستورى أطلقها ولم يُقصرها على الأديان الإبراهيمية، بل ذكر أن حرية الاعتقاد مطلقة، ومن ثم فإن أى مشروع قانون يجرم الإلحاد يمثل مخالفة للدستور، ومن ثم لن يمر فى البرلمان، ولو افترضنا ومرّ، فسوف تُسقطه المحكمة الدستورية العليا التى تتولى مسئولية الحكم فيما يخص دستورية ما يصدر من تشريعات وقوانين. أيضاً وهو الأمر المهم والأكثر أهمية أن مصر موقّعة على الميثاق العالمى لحقوق الإنسان وعشرات الاتفاقيات الدولية التى تنص على احترام حرية الرأى والاعتقاد، ومن ثم لا أتصور أن الدولة المصرية يمكن أن تسمح بصدور قانون من هذا النوع سيكون كفيلاً بتعريض مصر لأزمات حقيقية مع المجتمع الدولى، ما أتوقعه هو أن يحاول أفراد من أجهزة الأمن ممارسة مثل هذه الأعمال باجتهاد شخصى، وربما من قبَل أجهزة أمنية لاعتبارات مركبة لا تخلو من رغبة فى جنى الحسنات وخدمة الدين من وجهة نظرهم.

ما أود التأكيد عليه هنا هو أن البعض يريد أن يجتهد، يزايد، وليس لديه دراية بمواد الدستور ولا الاتفاقيات الدولية الموقّعة عليها مصر، ولا دراية لديه بالتطورات التى تمر بها الأجيال الجديدة من المصريين، وبدلاً من الاجتهاد فى إعمال العقل وتحديث وتطوير الخطاب الدينى، ومجاراة الشباب، بل والأطفال، فى تساؤلاتهم المنطقية والاجتهاد فى تقديم إجابات منطقية وعقلانية، يخرج من بيننا من يطالب بتجريم الإلحاد وحبس الملحد، وهذا فى تقديرى شهادة إعلان ذاتى بالفشل والعجز عن الإقناع، ناهيك عن انتهاك مادة دستورية أطلقت الحق فى الاعتقاد، ومواد اتفاقيات دولية وقّعنا عليها تجرّم تقييد حق الاعتقاد، بل وتجرم مثل هذا النمط من التفكير.

لا تخشوا مثل هذه العقليات العاجزة عن الشرح والتفسير والإقناع، لن يصدر فى مصر قانون من هذا النوع لأنه مخالف للدستور ولكافة المواثيق والاتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر، كما أنها مخالفة للميراث الثقافى لمصرى.

 

القانون والثقافة مرة أخرى

تغير الواقع فى كل دول العالم المتحضر عبر سن قوانين وتطبيقها بصرامة وشفافية، فتوقف الناس عن ممارسة عادات همجية، وتوقفوا عن الاعتداء على بعضهم البعض لاعتبارات تتعلق بعوامل الانقسام الأولى من لغة وعِرق ودين وطائفة، أو الانقسام الثانوى التى يكتسبها الإنسان فى مسيرته فى الحياة. تغير الواقع عبر سن قوانين وتطبيقها، حدث ذلك فى دول العالم المتقدم عندما كانت متخلفة مثل حالنا اليوم، خرج البشر فى أوروبا من عصور الظلام والحروب الدينية والطائفية والقومية إلى عالم جديد ينهض على دولة المؤسسات وحكم القانون والمساواة التامة بين المواطنين بصرف النظر عن العرق، واللغة، والدين، فالبشر، وبعد تجارب مريرة وحروب مدمرة بسبب الانحياز لدين أو طائفة والعمل على تمكينها من الهيمنة والتضييق على المخالف والمختلف، وجدوا أن القاعدة الذهبية للتقدم والتطور هى بناء نظام ديمقراطى بأشكاله المتعددة المعروفة، وحكم القانون، والمواطنة والمساواة، وحياد الدولة تجاه الأديان والعقائد، بمعنى أن الدولة تقف على مسافة واحدة من جميع الأديان والعقائد، لا تنحاز لدين على حساب آخر ولا تمكن طائفة من أخرى، فليس من وظائف الدولة مساعدة أو إجبار المواطن على دخول الجنة، وظيفتها القيام بمهام الحماية والتأمين وتنظيم شئون الحياة، الدول الفاشلة هى التى تتخذ لنفسها مهام دينية وتخلط الدين بالسياسة.

عندما أرادت هذه الدول بناء قاعدة الانطلاق نحو المستقبل وضعت دساتير ديمقراطية، وبنت مؤسسات، وفصلت بين السلطات، وسنت مئات القوانين التى تقر المواطنة، والمساواة، وقبول التنوع والتعدد، وحياد الدولة إزاء قضية الأديان والمعتقدات، وفرضت عقوبات صارمة على مخالفة هذه القوانين وتحديداً المساواة بين المواطنين، وكانت هذه القوانين بمثابة الرادع الحقيقى عن ممارسة سياسات التمييز بين المواطنين أو التدخل فى شئون الآخرين، وبمرور الوقت اعتاد المواطنون على وجود هذه القوانين، وتحولت لدى الأجيال التالية إلى ثقافة دون خشية من رادع أو عقوبة.

أما فى بلادنا حيث ينتشر الفقر والجهل والمرض والخرافة، فالأمر مختلف تماماً، فلدينا دستور ملتبس، مرتبك بشأن علاقة الدين بالدولة، وفى الوقت نفسه لدينا قوانين بها فقرات غامضة عن عمد تدخل الموضوع فى متاهة ولا تحسم الموقف تجاه قضايا محددة، خذ على سبيل المثال قانون بناء الكنائس الذى صدر قبل عام من أجل ترتيب عملية بناء الكنائس وإصلاحها، وتجد عبارة أن الموافقة على البناء أو الإصلاح «بعد الرجوع إلى الجهات المعنية» ولا يخفى على أحد أن الجهات المعنية هنا تعنى الجهات الأمنية، ومن ثم بات قرار إنشاء الكنائس وإصلاحها بيد جهاز الأمن الوطنى، الذى يواصل العمل وفق الأسس التى وضعت زمن الرئيس المؤمن وفى إطارها يعمل الجهاز بكل قوة على تعميق جراح المسيحيين فى البلاد ومنع السير باتجاه بناء دولة المواطنة، فما تم فى أطفيح مؤخراً هو مجرد واقعة من مئات الوقائع التى يقف وراءها أفراد جهاز الأمن الوطنى فى محاولة يائسة للحفاظ على السياسات التمييزية القائمة وإفشال جميع الجهود المبذولة لوضع أسس دولة المواطنة. كما أن أعمال ضباط فى الجهاز تقدم المبررات للدول الأجنبية للتدخل فى الشئون المصرية الداخلية، وهو أمر قلنا مراراً إننا نرفضه ونسعى للحل على أساس وطنى، لكنهم يعرقلون كل الجهود فى هذا الميدان.