الدكتور صبري أبو حسين يكتب: الشيخ الإمام عبدالمجيد سليم: تكوينه وتأثيره(1)

الدكتور صبري أبو حسين يكتب: الشيخ الإمام عبدالمجيد سليم: تكوينه وتأثيره(1)
الدكتور صبري أبو حسين يكتب: الشيخ الإمام عبدالمجيد سليم: تكوينه وتأثيره(1)

 

الشيخ عبدالمجيد سليم[13/ 10/ 1882-7/ 10/ 1954م] علم من أعلام أزهرنا الشريف، ووطننا المنيف، وأمتنا المجاهدة،إنه قطب من أقطاب الأزهر الشريف وشيخ من شيوخه الأكابر، والشخصية الدينية الأبرز على مستوى محافظة المنوفية،فهو ابن قرية ميت شهالة، مركز الشهداء، عاش أربعة وسبعين عامًا، كلها كفاح وجهاد في سبيل الله والحق ثم الوطن، وقد مر على وفاته الآن ثمان وستون سنة، وما زلنا بتوفيق الله نتذكره ونتدارس سيرته العطرة، ونحييها فيما بيننا، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على حسن السريرة، وإخلاص وصدق مع الله ومع النفس، ومع الناس في عصره، فما زال علمه الذي ينتفع به حاضرًا.وعندما نقرأ في المسطور طباعيٍّا وإلكترونيًّا عن الشيخ، قراءة باحثين متعلمين، يستفيدون ويستنيرون من قراءة هذه السيرة العطرة والآثار الطيبة، نتعلم الآتي عن هذه الشخصية المجاهدة:

تأسيس تربوي سديد:

شخصية بهذه المكانة، وهذه الآثار الطيبة، لابد أن تثير على كل عاقل سؤالا، نصه: كيف تأسست هذه الشخصية علميًّا، وكيف تكونت شخصيتها؟ لن أجيب إجابة التربويين المتخصصين، ولكن سأجيب من خلال ما كتبه مؤرخو حياة الشيخ؛ فقد رزق الشيخ عبدالمجيد سليم بتكوين تربوي وعلمي سديد، تمثل في الطفولة الفذة المبهرة  حيث تجلى نبوغه في حفظه القرآن الكريم في سن مبكرة جدٍّا، وفي إلمامه المتفوق بالعلوم الدينية كالتجويد والفقه والأصول. كان متوقِّد الذكاء، شغوفًا بفنون العلوم، متطلعًا إلى استيعاب جميع المعاني، ولم يكتفِ بدراسة العلوم المعروفة بالأزهر؛ فدرس إلى جانبها الفلسفة.  كما رزقه الله موهبة خاصة في التلقي للمعارف والعلوم، ومن شدَّة ذكائه ما روي كأنه ان يلتهمُ المعارف والعلوم التهامًا، فعرف طيلة فترة دراسة الشيخ سليم بالأزهر عرف بالنبوغ والتفوق، حتى أنه كان يسمى «ابن سينا»-الفيلسوف العربي المشهور- لقدرته على التفلسف والتعمق في العلم، ويقال إن الشيخ محمد عبده هو الذي أطلق عليه هذا الاسم.
وكان يختار أعلام الأساتذة من ذوي الخلُق الكريم، والعلم الغزير، والأفق الواسع؛ ليرشفَ من علومهم وينهل منها، ثم تولى إلى القاهرة ودخل الأزهر فدرس علومه على مشاهير شيوخه، وفي الوقت نفسه درس العلوم المعروفة في عصره، ومنها علوم الفلسفة، ومن هذا أنَّ دراسته لهذه العلوم لم تكن دراسةَ أستاذٍ فحسب، وإنما كانت دراسة مَن بلغوا فيها الغاية،

 كما أتيح له أن يدرس العلوم الأزهرية العتيقة على يد ثلاثة من علماء الأزهر الأفذاذ وشيوخه البناءين، هم:

  1. عالم أزهري أصيل مثقف ثقافة تراثية عميقة، وهو الشيخ أحمد أبو خطوة(ت 1906ممن مواليد قرية كفر ربيع مركز تلا، من العلماء الذين شُهد لهم بالتعمق الفقهي، ومن كبار المتضلعين بالفقه الحنفي، والحافظين لمتونه وشروحه، واعيًا بمسائل الخلاف ووسائل الاستنباط فيه، وبرع في المعقولات؛ فكان – رحمه الله – بحرًا زاخرًا في معرفة التفصيلات الفقهيَّة والفتاوى الدينيَّة، واستنباط الأدلَّة الشرعيَّة من النصوص. وقد أعجب به الشيخ عبدالمجيد حتى قال مرَّةً: إنَّ الشيخ أبو خطوة يفهم شرح “فتح القدير على الهدايةللكمال بن الهمام(ت861هـ)” أكثر ممَّا يفهمه صاحبه نفسهوقد جعل الشيخ أبو خطوة مفتيًا لديوان الأوقاف وانتدب للمحكمة العليا. وجمع مكتبة حافلة.
  2. عالم أزهري مثقف ثقافة فكرية حديثة، هو الشيخ حسن الطويل (ت1899م)، صوفي الطريقة، سني المذهب، والفيلسوف الزاهد، المتعمق في المنطق والفلسفة ومؤلفات ابن سينا، تلقى علوم الهندسة والجبر وسائر العلوم الرياضية في عصره، وكان لا يسمع أحدًا يعرف علمًا إلا سعى إليه، وتلقى عنه كائنا من كان! ولما قام (المهدي) بالسودان وعظم أمره واستولى على البلاد السودانية، جاهر الشيخ حسن الطويل  بنصرته وساء الإنكليز ذلك، فراقبوه وكاد يصيبه أذاهم. وكان شديد الإنكار على المبتدعة. ووصفه تلميذه أحمد تيمور بالورع. وعُرف بالشجاعة في القول بما يعتقد دون رياء أو مواربة. وهو من القرية نفسها التي أنجبت شيخنا"ميتشهالة"، وهو من تنبأ بتولي الشيخ عبدالمجيد مشيخة الأزهر منذ طفولته! وقد عرف الشيخ عبدالمجيد سليم عن شيخه أساليب عديدة في فنون الجدل والقياس لم تكن معروفة عند أقرانه من الطلاب، وكان الشيخ يرعاه ويوجِّهه ويُرشده، وقد تنبَّأ له بمشيخة الأزهر.
  3. عالم أزهري ومفكر إصلاحي هو الشيخ والزعيم والإمام محمد عبده(ت1905م) أحد دعاة النهضة في العالم العربي والإسلامي، وأسهم بقلمه ولسانه وحركته في القضاء على الجمود الفكري، ومواجهة التخلف الحضاري، عن طريق إعادة إحياء الأمة الإسلامية لتواكب متطلبات العصر، وتكاد تكون النزعة الإصلاحية والصحوة اٍلاسلامية والتجديد في عرض الإسلام أهم الدروس التي تلقاها الشيخ عبدالمجيد عن شيخه محمد عبده في الرواق العباسي بالأزهر الشريف، حيث أتيح له أن يتتلمذ على يد الإمام محمد عبده، وأن يستمع إلى دروسه في التفسير والبلاغة. وظلَّ مواظبًا على حضورها خمس سنوات، وقد أعجب بالإمام واعتبره مثله الأعلى في حسن الفهم وسعة الاطلاع وبلاغة التعبير.

 ومن عجب أن يفيد الشيخ عبدالمجيد سليم من هذه القمم العلمية، وأن يكون نسخة متطورة منهم خلقيًّا وعقليًّا، فليس هو بالمقلد المتوقف على ما قاله شيوخه، بل كان المجتهد المستنير بآراء السابقين والمعاصرين إياه، فأخذ من الشيخ أبي خطوة الفقه الحنفي أخذا وافرًا، وزاد عليه اطلاعه على الفقه في المذاهب الأخرى، وأخذ من الشيخ حسن الطويل علمي المنطق والفلسفة والقدرة على الجدال والقياس، وزاد عليه في الجانب الفقهي، وكانت فتاواه مميزة عن فتاوى الشيخ محمد عبده بأنها كانت موثقة أصيلة، معتمدة على أدلة من المنقول والمعقول معًا، ومن كتب الفقه المعتمدة، ومن آراء المذاهب الفقهية المعتبرة، فكانت مقنعة كل الإقناع، لا سبيل فيها إلى الشك أو الارتياب!
وفي المقال التالي مزيد تنوير لمكانة شيخنا المجاهد الأصيل، رحمه الله تعالى.

 

 

بقلم: أ.د/صبري أبوحسين

أستاذ ورئيس قسم الأدب والنقد بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بمدينة السادات