أخبار عاجلة
رفات القديسة تريزا يصل إلي كنيستها بشبرا -

فرانسوا باسيلي يكتب: صفحات من دفتر العمر (2) .. عبد الناصر في نيويورك

فرانسوا باسيلي يكتب: صفحات من دفتر العمر (2) .. عبد الناصر في نيويورك
فرانسوا باسيلي يكتب: صفحات من دفتر العمر (2) .. عبد الناصر في نيويورك

أستعيد في هذه الصفحات من دفتر العمر بعض أحلام وأوهام تلك الفترة من الصبا والشباب التي عشتها في مصر ثم في بداية هجرتي إلي أمريكا، بكل ما في الإستعادة من لذةٍ ووجع، ومن دروسٍ لمن يريد أن يستخلص الدروس، ومن متعة تاريخية وثقافية وابداعية خالصة لكل محبٍ لمصر في الزمن الجميل، ولمن ما زالوا يحلمون، بإصرار أليم، بزمن جميل قادمٍ ذات يومٍ، أو ذات حلمٍ، لمصر والمصريين، فأكتب تباعاً، ولكن ليس بتسلسل تاريخي بالضرورة، مَا تَيَسَّرَ مِنْ صفحات دفتر العمر 

 …………………………

خرجت من عملي في مانهاتن بنيويورك وهبطت السلالم إلي محطة الصابواي لأستقل القطار تحت الأرضي الذي يأخذني إلي بيتي في حوالي الخامسة مساء، وما أن مررت بكشك بائع الجرائد في أول المحطة حتي تسمرت مذهولاً وأنا أحملق في غلاف جريدة أظنها كانت الديلي نيوز وليس علي غلاف الجريدة بأكمله سوي كلمتين بالخط الأسود بحجم هائل، واحدة فوق الأخري، هما، ناصر ديد Nasser Dead أي ناصر مات، لم يحدث أن تفرد جريدة غلافها بأكمله لكلمتين فقط دون صورة ولا أي تعليق آخر، لابد أن ذلك كان يوم الاثنين 28 سبتمبر عام 1970, وهو العام الذي وصلت في أوله، في نهاية يناير، إلي نيويورك مهاجراً من مصر، وها هي مصر تطاردني بهذا الخبر ألمذهل غير المتوقع إطلاقاً، فتقول لي أنه لا مهرب لي منها في أي مكان، ولا راحة لي من أخبار مصر المؤلمة، الثقيلة علي النفس، حتي وأنا تحت الأرض في مدينة تبعد عنها آلاف الأميال، عبير محيطات وبحار وصحاري وبلاد بلا عدد. 

كان العالم عام 1970 لم يصبح بعد قرية صغيرة، فلم تكن هناك فضائيات عربية تصل أمريكا يمكننا منها التواصل مع البلاد، فلم تكن الأخبار تصلنا سوي عبر التلفزيون والصحف الأمريكية، ولم تكن الأخبار المصرية والعربية في صدر اهتماماتها، إلا إذا كان خبراً مثل وفاة عبد الناصر، وهو الذي اعتبرته أمريكا عدوها اللدود لأنه أدخل الإتحاد السوفيتي إلي الشرق العربي، ولأنهم رأوا فيه تهديداً للمصالح الأمريكية والغربية عموماً ليس فقط بسبب استقلالية قراره في مصر ولكن لأنه صار الزعيم الأول والوحيد للعالم العربي كله، فصارت كلمته مسموعة ومرهوبة في كل بلد عربي، ثم كان زعيماً عالميا لم كان يعرف بالعالم الثالث أو دول عدم ال إنحياز، وهو تحالف البلاد الإفريقية الآسيوية الأمريكية اللاتينية، وكان ناصر واحداً من ثلاثة زعماء لذلك العالم، ومعه الزعيم الهندي نهرو، والزعيم اليوغسلافي تيتو، رغم أنه في أوروبا لكنه كان يتصرف ببعض الاستقلالية بعيداً عن الإتحاد السوفيتي. 

بل حتي الإتصال التليفوني كان صعباً جدا ومكلفاً، فلم تكن الإتصالات الدولية متاحة من التلفونات المنزلية بشكل مباشر، وكان علي الأهل في مصر الذهاب إلي سنترال القاهرة الأساسي في وسط البلد ليطلبوا مكالمة مسبقة تأتي في موعد محدد وبعدة دقائق فقط، أي يضيع نصف يوم كامل لأي أحد في مصر لكي يتكلم ثلاث دقائق مع أحد في أمريكا، ولذلك لم نكن نتصل سوي كل شهر أو أكثر، توفيراً للجهد والمال معاً. 

بل حتي الإتصال التليفوني كان صعباً جدا ومكلفاً، فلم تكن الإتصالات الدولية متاحة من التليفونات المنزلية بشكل مباشر، وكان علي الأهل في مصر الذهاب إلي سنترال القاهرة الأساسي في وسط البلد ليطلبوا مكالمة مسبقة تأتي في موعد محدد وبعدة دقائق فقط، أي يضيع نصف يوم كامل لأي أحد في مصر لكي يتكلم ثلاث دقائق مع شخص في أمريكا، ولذلك لم نكن نتصل سوي كل شهر أو أكثر، توفيراً للجهد والمال معاً، هذا بجانب أن عامل السنترال كان يسمع كل ما يقال، وأحياناً يتدخل في الخط ليقول لك "يالا من فضلك خلص فيه ناس تانية مستنية"، ولذلك لم يكن يمكنك أن قول أي شيء فيه خصوصية، فالخطاب لا يستطيع بث لواعجه لخطيبته البعيدة، كما كان حالي، ولا يمكن لأحد أن يتحدث في السياسة أو أي شيء آخر سوي السلامات العامة والأخبار العادية، ومع ذلك كان الأهل يطلبون المكالمات الباهظة لسماع صوت أولادهم المهاجرين، وقد كانوا في ذلك الوقت لصعوبة السفر إلي أمريكا ولتكلفته العالية يعتقدون أنهم ربما لن يعيشوا لرؤية اولادهم مرة أخري.

ومن المدهش أنه رغم تلك الصعوبات والحياة الموحشة في المهجر بالمقارنة بما عليه الآن من سهولة التواصل اللحظي السريع بالصوت والصورة وبلا تكلفة، فلم نكن بشكل عام نشكو، ولا كنا في حالة سخط أو حزن أو إحباط، فالإنسان لديه قدرة مدهشة علي التأقلم مع أشد الأحوال صعوبة، بل كثيراً ما يكون الإنسان في أحسن حالاته في أوقات الشدة، فالتكافل الانساني وقتها يعلو إلي الذروة، والأخوة والصداقة والدفء الانساني يكون في أجمل حالاته، وهكذا كان الحال من معظم المهاجرين الأوائل، حيث بدأ المصريون في ألهجرة بأعداد معتبرة بعد هزيمة 67 الموجعة، فلم تكن هناك هجرة تذكر قبل ذلك الوقت، هي إذن هجرة لأسباب لها خلفية سياسية مؤكدة، حتي لو لم يكن هذا في وعينا ولا في قصدنا ونحن نقدم علي هذا العمل الذي لم يعرفه المصري في تاريخه الطويل قبل ذلك بالشكل الذي عرفته شعوبٌ أخري كثيرا في العالم، وهو الهجرة من أرض مصر إلي بلاد الله الواسعة بعد أن فقد الشباب الأمل في حياة يحققون فيها أحلام حياتهم في موطنهم الأصلي.  

أمسكت بالجريدة التي تعلن موت عبد الناصر بكلمتين هائلتين بيدي وأعطيت البائع ربع دولار وأسرعت استقل الصابواي وأنا لا أرفع عيني عن الخبر ألمذهل، كان عبد الناصر لا يتعدي 52 عاماً، ليس في سن يموت فيها الرجال، فلم يكن أحد في مصر ولا خارجها يتوقع وفاته، وكان قد انتهي لتوه من أحد انجازاته التي تشهد علي مدي قدرته، فقد جمع القادة العرب في إجتماع قمة طاريء لإنقاذ الموقف الحرج في حرب العصابات التي كانت دائرة بلا هوادة في الأردن بين المقاومة الفلسطينية بقيادة أبو عمار، وبين الجيش الأردني بقيادة الملك حسين، إذ كانت المقاومة قد تعدت حدود وجودها وراحت تمارس سلطات تنافس بها السلطة الاردنية للملك ونظامه، وهو خطأ هائل دفعت ثمنه، ولم يكن يمكن أن يقف عبد الناصر متفرجاً فكان أن عقد هذا الإجتماع، الذي لم يتخلف منه أحد من القادة العرب، واستطاع عبد الناصر، وهو المهزوم والجريح النازف المحتلة بلده منذ 67 أن يمارس دور الزعيم العربي بجدارة دون أن تنتقص الهزيمة من قدرة شيئاً، وفعلاً أجبر الطرفين بإيقاف النار وعقد متفاق للتعايش السلمي الذي ضمن لهما البقاء الكريم، وما أن انتهي المؤتمر المجهد في ليلته الأخيرة وعاد ناصر من المطار بعد توديع آخر المشاركين وكان هو أمير الكويت حتي سقط وقد أصيب بسكتة قلبية لم يعش بعدها.

لا يمكنني أن أقول أنني هاجرت لسبب واحد محدد وواضح، فغالباً ما يكون لأي قرار بهذه الفداحة تحالف عدة أسباب، ولكن بشكل عام كان عملي في وزارة البحث العلمي وقتها كمهندس مدني لا يمنحني أي درجة من الإشباع النفسي، فلم يكن لدي عمل سوي مسؤلوية عملية هندسية معطلة بسبب قضايا بين الوزارة والمقاول، فكنت، أنا ومعظم زملائي، نذهب للعمل لنقضي الوقت بلا عمل، حتي أن البعض كان يقضي ساعتين في الصباح في تناول سندوتشات الفول والطعمية للإفطار ثم قراءة الجرائد الثلاث الموجودة في ذلك الوقت وهو الأهرام والأخبار والجمهورية، فلم تكن هناك أي جرائد خاصة، ثم يذهب البعض إلي القهوة المجاورة في شارع الدقي للعب الطاولة والشطرنج حتي قرب الساعة الثانية فيعودون للتوقيع في دفتر الإنصراف. بعد عام واحد علي هذا الحال قدمت طلب هجرة إلي الولايات المتحدة، وبعد عام آخر وصلتني الموافقة، وصلت إلي نيويورك في نهاية يناير 1970.

وأنا اقرأ تفاصيل وفاة عبد الناصر رحت أتذكر كيف كنا نحن المهندسين في وزارة البحث العلمي نقضي الوقت في تبادل قصائد الشعر، ورغم أن اللإدارة الهندسية كانت تتكون من مهندسين، إلا أنه كان بيننا عدد لا بأس به ممن يتذوقون الشعر، وكنت قد بدأت اكتب الشعر، وجدت مهندساً أكبر مني وأقدم في الإدارة يكتب الشعر هو الآخر، ولنا صديق مشترك كان أيضاً أقدم مني، إسمه المهندس محمود فهمي، ما أن سمع مني يوماً مطلع قصيدة قصيرة حتي هام بها وراح يبادرني بها كلما تقابلنا في الصباح، فيقبل علي هاتفاً وهو يتمايل شجناً: قلبي ربابة / أسندته وعزفت في ليالي الغابة /  ترنيمةً لحبي / وأخري للكآبة.

وجد محمود فهمي في هذه الكلمات البسيطة تعبيراً عن لوعةٍ وحزنٍ وحبٍ كنا نشترك فيه تجاه من نحب، وكان يصف محبوبته بكلمة "الطلاوة"، وكنت أيضاً في حالة حب تجاه "طلاوتي" الخاصة، وهي سعاد التي خطبتها ثم تزوجتها بعد هجرتي، فكان هذا أجمل حدث في حياتي، وما يزال. 

كنت قد عينت في الإدارة الهندسية المسؤولة عن منشآت وأجهزة المركز القومي للبحوث، والذي كان حديث الإنشاء قتها ككل شيء في مصر تقريباً، في تلك الفترة المتوهجة من تاريخ مصر الحديث، خمسينات وستينات ثورة 23 يولية، التي كانت توصف دائماً بالمجيدة، حيث كانت مصر في حالة تأجج هائلة، كطفلٍ تعلم المشي حديثاً فراح يمشي طول اليوم في كل مكان يترنح ويتخبط ويقع ثم يقوم وهو يكتشف العالم المثير حوله، كان كل شيء في مصر له نكهةٌ طازجة ورائحة فجرٍ نادي مشرق مفعم بالأمل والرغبة في القفز الإحتضان العالم، كان يعبر عنها صلاح جاهين بعذوبة ومتعة حقيقية في كل ما يكتب ويرسم، لعل أجملها هو قوله "

كرباج سعاده وقلبي منه انجلد 
رمح كأنه حصان و لف البلد 
و رجع لي نص الليل و سألني .. ليه 
خجلان تقول انك سعيد يا ولد 
 عجبي

ما دامت مصر كانت تتوهج بالحركة والفعل والتقدم السريع في مناخ محفز للإبداع والتغيير الحقيقي، فماذا حدث إذن؟ مالذي دفع بأعدادٍ كبيرة من المصريين الشباب إلي الهجرة وليس فقط العمل المؤقت خارج البلاد؟ ربما يسأل كل مهاجر نفسه لماذا هاجرت؟ ما هو السبب الحقيقي؟ وربما نحتاج إلي حياة كاملة حتي نصل إلي إجابة مقنعة عما إذا كان قرار الهجرة قراراً صائباً أم لا، وهل ما ندفعه من أثمانٍ نفسية وإنسانية وعائلية تساوي ما حصلنا عليه من مكاسب؟

وإلي صفحات أخري قادمة من دفتر العمر