أخبار عاجلة
الكاف يختار قفشة رجل مباراة النهائى الافريقى -

حلمي سالم يكتب: توفيق حنا.. المصري كريم العنصرين

حلمي سالم يكتب: توفيق حنا.. المصري كريم العنصرين
حلمي سالم يكتب: توفيق حنا.. المصري كريم العنصرين

  هذه هي ـ مجددا ومجددا ـ عبقرية "الوحدة والتنوع" المصرية. وهذا الكتاب نفسه تجسيد لهذه السبيكة المتوحدة المتنوعة الباهرة، بشخوص المكتوب عنهم من ناحية، وبشخص كاتبه من ناحية أخري، فتوفيق حنا، ذاته، تجسيد بديع لهذه السبيكة المنصهرة وهذا النسيج المتنوع المتضافر المتوحد

  "اتكلموا.. اتكلموا.. اتكلموا/محلا الكلام، ما ألزمه، ما أعظمه/ في البدء كانت كلمة الرب الإله/ خلقت حياة، والخلق منها اتعلموا/ فاتكلموا". هذه هي كلمات صلاح جاهين التي حللها وألقي عليها الضوء الناقد توفيق حنا، ضمن ما حلله وألقي عليه الضوء في كتابه "الصمت والكلمات" الصادرة حديثا عن دار "نون" بالقاهرة.

  وعلي الرغم من أن توفيق حنا قد شارف علي التسعين من عمره "متعه الله بالصحة والعافية" فإن "الصمت والكلمات" هو كتابه الأول. لقد كتب توفيق حنا العديد والعديد من المقالات والدراسات والمراجعات النقدية والثقافية، منذ أكثر من ستة عقود كاملة، لكنه كان زاهدا في إصدار هذه المقالات في كتب، فظلت متناثرة في بطون المجلات والدوريات والصحف، حتي ضغط عليه مؤخرا أصحاب دار "نون" ودفعوه دفعا إلي تجميع بعض هذه الكتابات في هذا الكتاب، الذي جعل له عنوانا جانبيا هو "مبدعون جسّدوا عبقرية مصر". وكأن توفيق حنا في عزوفه عن تجميع مقالاته المتناثرة يعمل بالمثل المصري الذي يقول "اعمل الطيب وارمه البحر"، أو يؤمن بنظرية "قل كلمتك وامض" أو يتهيب مواجهة القارئ.

  "الصمت والكلمات: مبدعون جسّدوا عبقرية مصر" تقديم شاعر العامية الكبير عبدالرحمن الأبنودي، الذي يحكي في هذه المقدمة أن توفيق حنا له يد بيضاء عليه هو وأمل دنقل، حينما كان حنا يعمل مدرسا بإحدي مدارس قنا، ولمح في تلميذيه بالمدرسة "الأبنودي ودنقل" بوادر موهبة شابة، فشجعهما، ثم نظم لهما بالقاهرة أمسية شعرية بمركز الفنون الشعبية، ثم نشر لهما باكورة شعرهما الأول في مجلة "الشهر"، وبعد انتقالهما إلي القاهرة راح يعرفهما علي منتدياتها الأدبية ومنابرها الثقافية.

  "الصمت والكلمات" سباحة في أرجاء الشخصية المصرية عبر مبدعين جسدوا عبقرية هذه الشخصية، منهم، علي سبيل المثال: نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وطه حسين والعقاد وسلامة موسي وروزاليوسف ونجيب سرور وإدوار الخراط وبدر الديب ومحمد تيمور ويوسف إداريس وصلاح جاهين والأبنودي وبشر فارس وجمال الغيطاني وبهاء طاهر وعبدالحكيم قاسم ويحيي الطاهر عبدالله وملك عبدالعزيز وأم كلثوم وزكريا أحمد وسيد درويش وصبري راغب وحامد عويس.

  لن أعرض لتفاصيل الكتاب، لكني أريد أن أشير إلي أن هذا الكتاب "بكاتبه وبالمكتوب عنهم" يحمل ثلاثة دروس كبيرة: الأول: هو وحدة الشخصية المصرية، وإن تنوع تحت هذه الوحدة الدين والجنس واللون والفكر الأيديولوجي. فهؤلاء المبدعون الذين يجسدون عبقرية مصر، فيهم المسلم والقبطي، وفيهم الرجل والمرأة، وفيهم الفصيح والعامي، وفيهم اليساري والشيخ والقسيس. لكن الجميع يشتركون معا في رسم لوحة العبقرية المصرية: فكأن طه حسين يكمل سلامة موسي، وكأن إدوار الخراط يكمل نجيب محفوظ، وكأن الأبنودي يكمل بدر الديب، وكأن يحيي الطاهر عبدالله يكمل محمد تيمور وكأن ملك عبدالعزيز تكمل عباس العقاد. هذا هو سر من أسرار العبقرية المصرية: التنوع في إطار الوحدة، أو الجدل الباهر بين الوحدة والتنوع.

  الثاني: هو "التسامح" الفكري والحوار العقلاني الرفيع، الذي يحترم الآخر، ولا يحتكر الحقيقة، ولا يقصي الرأي المختلف. المثال الباهر، في كتاب "الصمت والكلمات" هو الحوار الذي دار بين توفيق الحكيم والبابا شنودة علي صفحات الأهرام في أواخر عام 1985، حين تساءل الحكيم عن عبارة قالها المسيح في إنجيل لوقا: "جئت لألقي نارا علي الأرض.. أتظنون أني جئت لأعطي سلاما علي الأرض، كلا أقول لكم، بل انقساما".. وجه الحكيم استفساره إلي البابا شنودة "الذي أحمل له التقدير الكبير لعلمه الواسع وإيمانه العميق"، كما يقول الحكيم، ورد عليه شنودة باحترام وتقدير مماثلين موضحا المعني الرمزي للنار "الخلق والانضاج والتطهير" والمعني الرمزي للانقسام "فضح أعداء الله وعزلهم"، مؤكدا قول المسيح "سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم، لا تضطرب قلوبكم ولا تجزع"، معيدا التذكير برسالة المسيح الشهيرة: "الله محبة".

 

  يورد توفيق حنا هذا الحوار المسئول الرفيع بين الحكيم وشنودة للتدليل علي علامة أساسية من علامات "عبقرية مصر"، هي ابتكارها الشعار الملهم "الدين لله والوطن للجميع" إبان الثورة المصرية عام 1919، الذي ينفي التكفير والتخوين علي السواء.

 

  ويذكرنا هذا الحوار المسئول الرفيع بحوارين مماثلين، الأول نموذج إيجابي، والثاني نموذج سلبي. أما النموذج الإيجابي فهو الحوار الذي دار في الثلاثينيات من القرن العشرين، حينما كتب إسماعيل مظهر مقاله الشهير "لماذا أنا ملحد؟" موضحا أسباب فكره اللاديني، فرد عليه محمد فريد وجدي، المفكر الإسلامي ورئيس تحرير مجلة "الأزهر"، بمقاله الشهير "لماذا أنا مؤمن؟" موضحا أسباب إيمانه الديني، بدون أن يسئ أحدهما للآخر، وبدون أن تتطاير مفردات التكفير أو الردة أو المصادرة. وأما النموذج السلبي فهو الحوار الذي دار منذ أسابيع قليلة بين الأنبا بيشوي والمفكر الإسلامي محمد سليم العوا، الذي حفل بالاعتداء علي عقائد الآخر "من الطرفين" وحفل بالتشكيك والازدراء المتبادل للأديان، بعد سبعين عاما من ذلك الحوار الرفيع بين مظهر ووجدي، وبعد ربع قرن من ذلك الحوار الرفيع بين شنودة والحكيم!

  الثالث: هو وحدة "القيم الروحية" المصرية، أو وحدة "الحضارة الأخلاقية، المصرية "وإن تنوعت تحت هذه الوحدة الروحية والأخلاقية المعتقدات التفصيلية والطقوس الشعائرية". إن وحدة "الحضارة الأخلاقية" المصرية هي التي جعلت الفكر الديني المصري في الحضارة الفرعونية القديمة، نداء مبكرا للتوحيد الديني و"فجرا للضمير البشري" كما قال هنري برستيد، والإيمان بالخالق الأعظم للكون وبالآخرة وبالحساب والعقاب والصلاح الإنساني، وغير ذلك من قيم روحية تبلورت فيما بعد في الديانات السماوية الثلاثة "وغير السماوية" حتي صارت العقيدة المصرية سبيكة منصهرة من الفكر الديني المصري القديم ومن الرسالات النبوية، مما كون ذلك المزيج الفريد من الهوية المصرية المتميزة، التي تتفاعل فيها وتتجادل الحضارة المصرية القديمة والحضارة القبطية والحضارة الإسلامية العربية والاحتكاك بالحضارات الشرقية والغربية علي السواء. وكل هذه الخيوط ترنو إلي إخناتون، الموحد القديم، الذي أورد له توفيق حنا نصه المبكر:

  "أيها الواحد الأحد الذي لا إله غيره،

  أنت يا من يشرق بجماله في آفاق السماء،

  أنت أيتها الشمس الحية التي وجدت

  منذ الأزل،

  ما تكاد تقذف بأشعتك حتي يتمزق رداء

  الليل،

  فإذا الأرض تتهلل،

  وإذا الناس أيقاظ،

  لأنك بعثتهم من رماد".

  هذه هي ـ مجددا ومجددا ـ عبقرية "الوحدة والتنوع" المصرية. وهذا الكتاب نفسه تجسيد لهذه السبيكة المتوحدة المتنوعة الباهرة، بشخوص المكتوب عنهم من ناحية، وبشخص كاتبه من ناحية أخري، فتوفيق حنا، ذاته، تجسيد بديع لهذه السبيكة المنصهرة وهذا النسيج المتنوع المتضافر المتوحد:

  فهو القبطي الذي أخذ من المسيحية التسامح والسلام والتبشير "كما أشار الأبنودي". وهو المثقف الذي أخذ من الحضارة الإسلامية الغرام باللغة العربية والانتماء للعقلانية ولمسة التصوف. وهو التقدمي الذي أخذ من الاشتراكية الحلم بالعدل والحرية. وهو الليبرالي المنفتح علي ثقافة الآخر الأوروبي. وهو المدني المؤمن بفصل الدين عن الدولة لأن الله هو الذي سيحاسب الجميع، وهو الفرعوني وريث إخناتون وحفيد الكاتب الجالس القرفصاء، وهو، نتيجة لكل ذلك، "المصري كريم العنصرين".

  بقيت، علي هذا الكتاب الجميل، ملاحظتان سريعتان: الأولي هي نبرة الشجن والحزن التي تغلف الكتاب، علي الرغم من تفاؤل صاحبه وبشارته، وهي النبرة التي جعلته يتكئ علي سطور صلاح جاهين الاسيانة: "أديني ماشي لوحدي في الشارع/ معرفش رايح فين/ لاكين ماشي/ والليل علينا وع البلد غاشي/ ولاقيت في جيبي قلم/ كتبت بيه غنوة عذاب"، والثانية هي أنه علي الرغم من الصداقة العميقة بين حنا ونجيب محفوظ، فإن توفيق حنا يقول إنه وافق علي نشر هذا الكتاب حتي لا تتحقق كلمة نجيب محفوظ في ختام "أولاد حارتنا": "آفة حارتنا النسيان".

 

 

حلمي سالم

رئيس تحرير مجلة أدب ونقد