بوابة صوت بلادى بأمريكا

عبد المنعم سعيد يكتب: محاولة لفهم قطر

لماذا نحاول فهم قطر الآن؟، والإجابة المباشرة هى أنه فى الرياح الخليجية ما يدعو إلى استنتاج أن حل «المسألة القطرية» سوف يكون مفيدا لأمن الخليج عامة، وأمن دول مجلس التعاون الخليجى خاصة. قطر لا تشكل إضافة عسكرية هامة تغير من توازنات القوى فى الخليج، ولكن الولايات المتحدة التى جعلت لعلاقتها بقطر وظيفة خاصة بالتواصل غير الرسمى مع جبهات عريضة من الخصوم من إيران إلى جماعات إرهابية متعددة، باتت تضع على عاتق الخلاف العربى القطرى مسؤولية قراراتها إزاء الأمن فى المنطقة. أول مؤشرات الريح مشاركة دول الخليج جميعها فى دورة الألعاب الخليجية المقبلة، والتهدئة التدريجية فى الخصام الإعلامى، وإشارات أخرى يفهمها اللبيب. ولكن ما يحتاجه اللبيب الذى بالإشارة يفهم هو فهم قطر إذا ظل الحال على حاله من المشاكسة والمناهدة القطرية الإعلامية خاصة المعتمدة على قناة الجزيرة وشبكاتها وتحرشاتها، مضافا لها شبكات الإخوان المسلمين فى الدوحة ولندن وإسطنبول. ولحسن الحظ أن كاتب هذه السطور عمل فى وظيفة «المستشار السياسى» بالديوان الأميرى القطرى خلال الفترة الحرجة من التاريخ الخليجى والعربى بعد العدوان العراقى على الكويت (١٩٩٠- ١٩٩٣). لم تكن قطر وقتها كما هى الآن، ولا جرى فيها التغيير الذى جرى بعد الانقلاب السياسى الذى شمل أمير البلاد خليفة بن حمد آل ثانى فى عام ١٩٩٥؛ وإن كان واضحا لمن كان يعمل فى الديوان أن ما وراء الأكمة ما وراءها قبل ذلك بسنوات، وأن الدولة القطرية حبلى بتغييرات ليست فى الأشخاص، وإنما فى مضمون إدارة البلاد وسياستها الخارجية.

كان هناك الاتجاه التقليدى للوالد الشيخ والذى يرى قطر فى ضوء حجمها وعدد سكانها؛ وكان هناك اتجاه آخر شاب للشيخ الابن حمد بن خليفة آل ثانى ولى العهد الذى رأى فى قطر قوة محتملة بالغنى الناتج عن موارد الغاز الطائلة والتى بات مؤكدا تصديرها إلى أسواق بدأت باليابان ومن سوف يلحق بها من دول؛ وما يأتى من قوة عن طريق إدارة سياسة خارجية تخلق أدوارا للعلاقات المتينة مع الولايات المتحدة ومن بعدها الدنيا كلها. ومن المعلوم أن الاتجاه الثانى فاز فى عملية تدريجية انتقلت فيها السلطة من الوالد للابن حتى لم يبق إلا إعلان ذلك عندما غادر الوالد البلاد كما هو معلوم.

لم يكن هذا الخلاف جيليا فقط، ومعبرا عن رؤى فى إدارة أمور الدولة القطرية، وإنما كان أيضا حول «هوية» قطر وماذا تكون تركيبتها، كانت الهوية دوما جزءا من عملية بناء الدول؛ والجغرافيا والديمغرافيا والتاريخ كلها تقول إن قطر دولة خليجية ترتبط قبائلها وسكانها بالجزيرة العربية والخليج العربى. وهى عربية عضو فى جامعة الدول العربية، وكان الكثير من أبنائها لهم صلات وثيقة بحركات القومية العربية والبعث. وهى مسلمة الديانة، وسنية المذهب، وفى ذلك الوقت كانت الأكثر تأثرا بالمذهب الوهابى وإن كانت أقل تزمتا مما كان عليه الحال فى المملكة العربية السعودية آنذاك. كان من الصعب الحديث عن هوية قطرية خاصة، وعندما سألت عن معنى «قطر» قيل لى إنها امتداد للفارس الشاعر العربى قطرى بن الفجاءة، وقال آخرون إنها تعنى البلد أو القطر؛ وفى العموم كان معروفا أن جزءا غير قليل من القطريين «الحصى» ـ كما يقال عن القطريين الأصلاء ـ يحملون جوازات سفر سعودية ودول خليجية أخرى. ولكن ذلك تحديدا ما كان الجيل الجديد يسعى إليه وهو خلق هوية قطرية خالصة، أو صافية بقدر الإمكان تتميز فيها قطر عن الدول العربية الخليجية الأخرى. وفى هذه الحالة فإن الهوية تكون عن طريق تصفية الهويات المتشابكة للقطريين عن طريق المنازعات والمشاكسات، فلو كان مثل ذلك مع إيران لكان معنى ذلك نزاعا عربيا فارسيا، ولو كان مع مصر فإنه سوف يكون منافسة خليجية مصرية أو عربية، النزاع مع البحرين حول جزر حوار وفشت الديبل الذى حكم فيه لصالح البحرين، والنزاع مع السعودية حول منطقة الخفوس الذى شهد نزاعا عسكريا توسطت فيه مصر، والمنافسة مع الإمارات حول التحديث والسبق فيه، هو الذى يجعل قطر قطرا ولا يجعلها خليجية أو عربية أو إسلامية أو أيا من الهويات الأخرى المتنافسة على الذات القطرية. قناة الجزيرة باتت جزءا هاما من عملية بناء الهوية القطرية وهى التى اشتبكت مع الجميع، وفيها أصبحت هذه الهوية سواء كان لها علاقة بالواقع أو لا كوكتيلا خاصا للغاية للفلسفات الليبرالية والقومية العربية والحامية للإسلام والإسلامية الأصولية والراديكالية يضع المسافات مع دول كانت شقيقة وشريكة قبل عقود قليلة فى دورات كأس الخليج، ومجلس التعاون لدول الخليج العربية، وحتى التحالف العربى الذى خاض الحرب فى اليمن.

ولأنه فى السياسة يكون لكل الأمور حدود تأتى من تغيرات فى موازين القوى وتصادم إرادات الدول، فإن منطقة الخليج شهدت أمرين شكلا تحولات فى مواقف الأطراف جميعا مما سمى الأزمة القطرية: أولهما كان من إيران التى تمددت بوحشية فى المنطقة العربية كلها بفعل اتفاقها النووى مع القوى الغربية؛ وثانيهما أن الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب الجديدة انسحبت من الاتفاق الذى وقعته الإدارة السابقة وأعادت فرض العقوبات القاسية على طهران. وهكذا تغيرت القواعد كلها فى الخليج حتى إن إيران بدأت عمليات عسكرية على نطاق واسع بشكل مباشر أحيانا وعن طريق الحوثيين فى اليمن من ناحية أخرى، وكان آخرها العدوان على شركة أرامكو رأت فيه أمريكا إعلانا للحرب، ولكن ردها كان لوما لدول الخليج لأنها منقسمة مع قطر حيث توجد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية فى المنطقة، والتى تقدم لواشنطن قناة نشطة للخروج من أفغانستان من خلال مفاوضات مع طالبان. قطر من ناحيتها كانت مقبلة على كأس دول الخليج لكرة القدم؛ ولكن الأكثر أهمية كان كأس العالم لكرة القدم الذى تريده الدوحة وكل ملاعبها ممتلئة بالمشجعين المتحمسين الذين يأتون من دول قريبة. وعلى أية حال كانت القنوات مفتوحة مباشرة وغير مباشرة، ولم تأل الكويت جهدا فى حل المعضلة التى تضع الجميع فى حرج بالغ مع الحلفاء والخصوم فى وقت واحد، بات الجميع على أبواب صفقة كما يحب أن يقول دونالد ترامب!.

 

أخبار متعلقة :