بوابة صوت بلادى بأمريكا

شاهيناز أبو ضيف المؤانس تكتب: الأخلاق والسعادة

 للسعادة طرق ومفاهيم تختلف من نظرة الفرد نفسه للحياة ،وماحولها باختلاف ظروفه ،وأحواله وتغير نموه، وفي الوقت الذي يستطيع الفرد فيه معايشة ما يلائمه وما يسعى إليه من تحقيق أمنياته ،ويتعايش مع حاضره بشكل من أشكال التراضي ،وبتحقيق ما كان يسعى إليه؛ بالرغم ما يواجهه من عراقيل وأزمات ؛كانت حائلا ذات يوم ما، دون الوصول إلي ومضمون السعادة لديه.

وتختلف مفاهيم السعادة عند جموع العلماء والفلاسفة، وإن إتفق معناها في الأديان الثلاثة ؛ففي المسيحية في العهد الجديد يقول السيد المسيح عن الفرح: “لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ”. وهو أيضاً يشير إلى مصدر هذا الفرح: “ والفرح هنا السعادة الكاملة ،إِنْ حَفِظْتُمْ وَصَايَايَ تَثْبُتُونَ فِي مَحَبَّتِي، كَمَا أَنِّي أَنَا قَدْ حَفِظْتُ وَصَايَا أَبِي وَأَثْبُتُ فِي مَحَبَّتِهِ” (يوحنا 10:15و11). هنا يكمن الجواب على السؤال الذي منذ الدهور. السعادة الحقيقية، الفرح الحقيقي هو أن نحب الله ونكون معه. هذا ما يؤكّده الرسول بولس بشكل كامل في قوله: “لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْبًا، بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ” (روما 17:14). ويضيف يوحنا: ”…ولاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ” (يوحنا 22:16)، ما يعني لا شيء ولا أحد، لا العذاب ولا الحرمان ولا الاضطهاد ولا حتّى الموت .ومصدر هذا الفرح؟ الجواب بالطبع هو الإيمان الـمستقر في قلب نقي؛ مستدفئاً بنعمة الله، وإيمان متوهّج بمحبة الله ورجاء مدعِّم فيه. يقول أحد الكتّاب المسيحيين المعاصرين أنّه لا يكفي أن نؤمن بالله بل يجب أن نصدّقه بالفعل الطيب .

وفي الإسلام تعددت طرق الحصول السعادة معً كوّن الإسلام في حد ذاته هو منبع السعادة، فالتمسك بالقرآن وعدم الإعراض عنه وهجره، ففي أول سورة طه قال الله تعالى: {مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ} [طه:2]، والشقاء عكس السعادة- كما نعلم -{فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} وفي أواخر السورة قال تعال : {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ} [طه:124]، فكأن الله يريد أن يعلمنا أنه أنزل إلينا هذا القرآن لنسعد لا لنشقى، ثم إنه سبحانه وضح سبب الضنك والشقاء بالإعراض عن تعاليم القرآن الكريم من الحفاظ علي الدين والأرض والعرض ومراعاة حقوق الجواروارتداء أخلاق الرحمة والبشاشة واحترام عقائد الغير التي هي في الأساس ملك لله وحده .

 وتحقيق السعادة يكون في الرضا والصبر والتسبيح بحمد الله، والعفو عن الناس والأمر بالمعروف، والإعراض عن الجاهلين، والآيات كثيرة في القرآن تتحدث عن السعادة ،وتختلف معانٍ السعادة عند علماء علم النفس والإجتماع ؛ بل وعند الفقهاء والإيمانيين؛ فمفهوم السعادة عند علماء النفس والاجتماع،هو أن يحصل الإنسان علي حياة مرضية يحقق فيها ما يرمو من الأهداف والآمال والطموحات شريطة أن يوظف قدراته ومهاراته ؛ بما يحقق له الرضا عن نفسه ،ولنفسه ،وعن الآخرين ممن حوله؛ كما أن سعادته تتمثل فى سعادة الآخرين،وأيضا السعاده مطلب كل انسان حي على وجه الأرض كما نعلم جميعا ،وكل انسان يتمنى السعاده ؛ولكن ماذا يجب علينا فعله كي نصبح من السعداء ؟هل السعاده في اماكن وعره؟ فيصعب علينا امتلاكها أم أن السعاده أسيرة ،موصدة دونها الأبواب والنوفذ وهل السعادة كما يري بعض من الناس في امتلاك الأموال الطائله ،او المناصب العاليه؟ إن علم النفس الإيجابى ؛ له نظرة مختلفة في ماهية السعادة ومحفزاتها،- وعلم النفس الإيجابي (بالإنجليزية: Positive Psychology) بدأ كحركة تطورت من التفكير الإيجابي إلى علم نفس إيجابي على يد مارتن سليجمان، رئيس جمعية علماء النفس الأمريكيين، عام 1998 ميلادية.-وهناك بعض نتائج الدراسات التى تم إجرائها على الجانب الآخر، تدل على وجود أساس وراثى للمزاج وانتقاله من جيل إلى آخر، حيث يؤكد عدد كبير من الباحثين، أن 50% من التغيرات المزاجية تحددها الوراثة سلفاً، حتى أن الظروف المسئولة عن أفرحنا أو أحزاننا، -باستثناء الصدمات القوية-، لا تغير مزاجنا إلا مؤقتاً، لنعود مجدداً إلى حالتنا العاطفية الطبيعية،ويشير علماء النفس إلى أن هناك جوانب جيدة ؛ تساعد الإنسان على العيش في المستويات العالية من السعادة ،ومن الإحساس أكثر بالعواطف الإيجابية، دون اللجوء إلى أدوية، وتحقيق الطاقة الكامنة لدى الفرد من أجل تفتح شخصيته وسعادتها. وهناك من يعتقد أن السعادة هي استكمال الناقص من حياتة وتحقيق تتمة أهدافه ؛في حين أن علماء الاجتماع يرومون للسعادة، أن يتماثل الإنسان إلي الشعور بالراحة النفسية، والتعبيرعنها يختلف من فرد لآخر، ومن ثقافة لأخرى -أيضا -ومن مرحلة عمريه لأخرى، كما تتباين مصادر السعادة من فرد لآخر. فالسعادة النفسية هى انفعال وجداني إيجابي يحاول الإنسان الوصول إليه باعتبار ان السعادة النفسية للفرد هي محور حياته والديناميكية التي تشعره بالحياة ،ويجب التركيز على عوامل أخرى بجانب المصادر التى تحقق السعادة ،ومن بينها: نوعية الأهداف التى ينتوي تحقيقها للشعور بالسعادة النفسية،وهو مرتبط بالحاله النفسية وعلاقاته الاجتماعية ومدى إشباعه لدوافعه الأولية والثانوية، والأمن النفسي داخل الفرد؛ يتكون من جانبين :الأول داخلي، ويتمثل في عملية التوافق النفسي مع الذات، والثاني :خارجي ويتمثل في عملية التكيف الاجتماعي،فالسعادة النفسية ذات طبيعة معقدة؛ أي ليس من السهل أن يتحلي بها عدد كثير من الأفراد ربما يعود ذلك إلي التطورات الحديثة التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الكثيرة والتي أثرت بجميع الأشكال، علي الإنسان في المنزل أو الأسرة،والعمل ،أوطريقة التعليم ٠وإذا تحققت السعادة لدى الفرد فيكون لها آثار إيجابية قوية على سلوكياته وأفكاره، منها: التفكير الإيجابي حيث يفكر الناس بطرائق مختلفة، وأكثر إيجابية عندما يكونون سعداء، مقارنة بحالتهم عند الحزن والكآبة، كذلك يكون السعداء أكثر ثقة بالنفس وأكثر تقدير لأنفسهم وأكثر في الكفاءة الاجتماعية ،ولديهم الاستعداد لحل لمشكلاتهم بطرق اكثر سهولة ويسر .وأكد علماء النفس علي وجود تباين فى السعادة النفسية بشكل عام فى تحقيقها، إلا أن معظم الباحثين ؛اتفقوا على أنها مجموعة من المؤشرات السلوكية، التي تدل على توافر حالة من الرضا العام لدى الفرد ،وسعيه المستمر لتحقيق أهدافه الشخصية ،في إطار الاحتفاظ بالعلاقات الاجتماعية الإيجابية مع الآخرين، والسعادة عند الفلاسفة، مرتبط مفهوم السعادة فى الغالب لديهم بمساعدة الغير،ويعد"أرسطو/Aristotle"أول من قدم مفهوم للسعادة ؛حيث اقترن تحقيق السعادة لديه بسد النواقص والإحتياجات ،والتى تختلف من شخص إلى آخر، فإذا كان مريضا ؛فإن سعادته في تطلب الصحة ، وإذا كان فقير؛ فسعادته في الغني، كما أكد "أرسطو" على أن السعادة ترتبط بفعل المعرفة مادامت هي فعل عقلي، يرتبط بالتحصيل والتعود هي ليست أمرا تصنعه الطبيعة ؛حيث أن البشرية لم تولد سعداء؛ وإنما نستطيع أن نصبح سعداء.،وأما الفيلسوف "إيمانويل كانط/Immanuel Kant" فاشترط علي تحقيق السعادة ؛ أن تكون نتيجة لاتباع التزام أخلاقي صحيح، تحددها الحياة الأخلاقية التى نعيشها فى الدنيا، أى أن السعادة عند كانط متصلة بالفضيلة. و السعادة من وجهة نظر عند ابن مسكويه- وابن مسكويه هو : مسكويه أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه، أبو علي: مؤرخ بحاث، أصله من الري وسكن أصفهان وتوفي بها. اشتغل بالفلسفة والكيمياء والمنطق مدة، ثم أولع بالتاريخ والأدب والإنشاءو،هو صاحب كتاب تجارب الأمم-فقد قررأن السعادة ترتبط بالجسد والنفس فى آن واحد فالسعادة الدنيوية في نظره ناقصة لانطلاقها من عالم الحس، فلابد من تعرض صاحبها للآلام؛ لتحققها، فمثلاً حتى نشعر بلذة الطعام ،لابد من أن نشعر بألم الجوع، وحتى نشعر بسعادة المال لا بد من العمل والكد، حتى يتم تحصيله، والسعادة فى الآخرة هي الأفضل والأكمل، لأن صاحبها يتمتع بالخير، والفرد يكون بعيداً عن الألم والحسرات الدنيوية التي تسبب له الشقاء فالأخلاق هي غاية السعادة، فلا بد من تهذيب الأخلاق وتقويمها للوصول إليها.

 

أخبار متعلقة :