بوابة صوت بلادى بأمريكا

إدوارد فيلبس جرجس يكتب: امرأة تحت سيف الأقدار (الحلقة التاسعة)

         جاد بك في نفس جلسته التي اعتادها دائما ، طرفا ابتسامته كقطبي المغناطيس المتنافرين ، يمر بطرف إصبعه على شاربه المستقيم تشبهاً بأحد الممثلين ، لم يلق بالا لتحية ابنه رشاد وهو قادم من الخارج ، ألقاها وصعد مباشرة للطابق الأعلى دون التوقف للحديث مع أبيه ، لم تكن بينهما العلاقة الحميمة التي تربط الأب بابنه أو تشد الولد لأبيه . 

استنكار من جانب رشاد لما سمعه وما رآه بنفسه ، من سلوكيات توحي بأن أبيه وأمه لم يسلكا إلا الطرق الملتوية من الحياة  وعدم ارتياح من الأب وهو يرى في عيني ابنه نظرات فسرها بعدم الاحترام ، لا ينقصها سوى أن تنقلب لاتهامات صريحة وواضحة لمسلك الأسرة غير المشرف . في جلسته دائماً يستعرض في ذاكرته هذه اللحظة التاريخية ، التي بدأ عندها تحول مجرى حياته لواد لزج حطت قدماه به ، سار في مساره ، أصبح من المستحيل أن يشق له واد آخر لا تغشاه اللزوجة . عاد بذاكرته للخلف ، انتهى الأسبوع الذي حددته فجر للهرب والزواج منه ، قضاه في إعداد غرفة ملحق بها دورة مياه لتكون عش الزوجية ، أنفق مبلغاً لا بأس به لتكون لائقة باستقبال فجر ، ظهرت في حياته كفجر اشرق بعد ليل بهيم . لم يبخل زملاء العمل الصعايده ، جمعوا فيما بينهم مبلغاً لا بأس به ، كنقطة مسبقة أعانته على إعداد الغرفة . تبقى معه مبلغا لا بأس به كنفقات لعدة أيام من العسل بعد الزواج . منذ اللحظة الأولي أسلم لفجر زمام القيادة ، لم تبال فجر بما سيحدث لأمها صابرة بعد أن تكتشف اختفائها ، لم تفكر سوى في الهرب من مستنقع البغي الذي غاصت فيه أمها لأذنيها . هروبها لم يكن عن شرف وكرامة ، لكن خوفاً من ورطة مع القانون تكون نتيجتها عدة سنوات من السجن ، حاولت أن تُبعد أمها عن هذا الطريق ويكتفيان بما يدره المقهى ، رفضت الأم أن تتخلى عن لذاتها بين أحضان الرجال . لم يجل بخاطرها عندما فكرت في جاد كزوج أنه فارس الأحلام ، لم تطلب سوى رجل تحتمي في ظله ، لتستخدم مواهبها من جمال وذكاء وخفة ظل لتصل إلى ما تصبو إليه ، حتى لا تنتقل إليها مهنة أمها بالوراثة . وتظل طوال عمرها مطية لرجال تفوح منهم رائحة عرق اليوم كله ، لا هم لهم سوى إفراغ الشهوات ، متوقعة في كل لحظة قضبان السجن .

جلس جاد غير واع لما حوله في العرس المتواضع الذي نظمه أبناء بلده احتفالا بزواجه ، لم ير في الراقصة الرخيصة ، التي تبتذل للكشف عن أكبر قدر من لحمها أكثر من حماسها للرقص  سوى صابره أم فجر. يتوق لنهاية العرس ليختلي بفجر ليضع حداً لحالة من قلق تمكنت منه ، لم تترك جزء في جسده لم تشعل فيه الحمم . شئ يداهم أفكاره كالقطار الذي استقله من الصعيد ليصل به للقاهرة ، لم يدر إن كان جالسا داخل إحدى عرباته أم انزلقت قدمه ، ليتمدد جسده بالكامل فوق قضبانه ، تجرى عجلات كل عربة فوقه مطلقة نغمة تختلف عن سابقتها ، يمزقه الألم  ، حنجرته لا تقذف بصرخة واحدة . سؤالاً يمزقه أكثر من بوحشية تفوق عجلات القطار . هل سلكت فجر سلوك أمها أم لم تزل أمام الباب لم تلجه بعد ؟ هل انتزعها أو بمعنى أدق انتزعت نفسها في الوقت المناسب ، قبل أن تتمكن منها الأذرع التي كانت على استعداد أن تدفع عرق يوم بأكمله ثمناً بخساً ، مقابل لحظات من النشوى مع الغزالة الصغيرة بعد أن هرمت الغزالة الكبيرة ؟. كيف لم يفكر في هذا من قبل !!، أحس في هذه اللحظات أنه ضرير ترك لعصاه زمام قيادته ،  اغمض عينيه ، ترك عواطفه المتأججة تقوده لفجر دون أن يتوقف لحظة واحدة ليفكر في أي شيء ، ما باله الآن يجلس في العرس كمن يجلس على جمرات من الفحم المتوهج ، لا ينقص سوى أن تتصاعد إلي أنفه رائحة شواء لحمه . قاب قوسين أو أدنى من الحقيقة ،كلما قرُبت المسافة منها تداعب أحشاءه طرف سكين مدبب ، ما باليد حيلة ، داهمته صعيديته بكامل قواها ، بالرغم من أنه كان يظن أنه ألقى بها من نافذة القطار الذي قفز بداخله غير آسف .

جفف حبات العرق التي قفزت فوق جلده ، بجلبابه الملقى على الأرض ، أحس برطوبة بدأت تنساب داخل جسده وتنعشه ، طاردة حمية النار التي اشتعلت بداخله ، منذ انسياب أفكاره نحو عذرية فجر ، عادت لقلبه دقاته . الحقيقة أنها لا تزال مختومة بخاتم العذارى ، جلس فوق الفراش كفارس منتصر ، يلوح بسيفه الذي لم تجف عليه دماء أعداءه بعد .  هزم عدو لدود لازمه طوال الليلة من القلق والخوف والمرارة ، يعلم جيدا أنه حتى لو لم يعثر على عذريتها ، سينكس رأسه ويقبل الأمر بكل فجيعته . سيقبله وحذاء فجر فوق رأسه كوسام للشرف المصون ، ومن يشتهي الحُصرم لا يبالي بتضريس أسنانه .

لم تضع فجر الأسبوع الذي سبق هربها مع جاد هباء ، استطاعت بنظرات لعوب أن تقنع المقاول الذي يعمل في النقاشة  بأن يعمل جاد معه كمساعد ، يتلهف على أي شيء منها حتى لو كان هذا الشيء بصقة على وجهه  ، قبل أن يعمل معه على أن يتعلم كار النقاشة أولا على يد أحد العمال لمدة أسبوع أو اثنين ، ليلم بعمله كمساعد له بعد ذلك . عمل كان يمكن أن يمضى جاد سنوات عمره دون أن يستطيع الإمساك به ، عيون فجر قادرة أن تهبط بقمة الجبل إلى السفح . بُهت جاد بعد خمسة أيام من الزواج ، فجر تخبره بأنه من الغد سيبدأ عمله مع المقاول " فرحات " في النقاشة ، قالتها بطريقة تغلق أي باب للنقاش أو الاستفهام . تقبلها جاد كأمر بعد أن أثبتت له عذريتها أنها ليست كأمها ، لم يكن هذا هو السبب الوحيد في الأمر . استغلت فجر ذكائها منذ اللحظة الأولى ، في أن تجعل من الفراش ملعبا كملعب كرة القدم ، لا يستطيع المهاجم أن يسجل الهدف إلا إذا قذف له صانع الألعاب بالكرة . لم ينس غضبتها في اليوم الثاني من الزواج التي حولته لكلب يسيل لعابه أمام عظمة في يد الجزار . تسلم جاد عمله كعامل نقاشة كالمتفق عليه بين المقاول فرحات وفجر لكي يلم ببعض الخبرة في هذا المجال ، حاول أن يعترض في أول الأمر وهو يعود كل يوم كمهرج السيرك ، تلطخ وجهه بالأصباغ لبداءة خبرته في هذا المجال ، نظرة  فجر أخرست لسانه . وخاصة بعد أن انتقالهما لشقة رحبة تقع بالشارع الضيق كانت للمقاول فرحات ، أهداها عن طيب خاطر لنظرات تعد ولا تفي ، الأمل في الوصول لا ينضب . عُرف جاد منذ ذلك اليوم في الشارع الضيق بالمعلم جاد النقاش ، أعلنت الصبغات التي تلون بها وهو عائد كل يوم عن مهنته . لم يطل الأمر واضطر المقاول فرحات لمزيد من التضحيات وهو يستمتع بلذة الانتظار لرشفات من كأس الهوى ، تسلق جاد فوق ظهر هذه التضحيات ليصبح الآمر الناهي في كل أعمال المقاول فرحات . صارحها وهو يبتلع ريقه بمخاوفه وشكوكه نحو المقاول فرحات ، أمام اتهام زوجته له بالغباء وفرض عقوبات الفراش تأسف وقَبل كعب قدمها الأحمر كحبة الطماطم . وكنوع من عدم سحق رجولته تماما ، قالت له بأن المقاول فرحات ليس إلا كلب ، تُظهر له بين الوقت والآخر عظمة ، وعندما يظن أنه أوشك على نشب أنيابه ، تركُله ركلة تعيده لخط البداية . أمام هذا التوضيح الذي جعله ينظر إليها بأنها اليد القادرة على فعل الكثير ، سمح عن طيب خاطر أن تكون هناك سهرات في شقته الرحبة بالشارع الضيق . ضيف الشرف فيها المقاول فرحات ومعه زمرة من المقاولين ، عرف جاد دوران الرأس مع كاس الخمر الأولى ، سكبها في جوفه مترددا بعد أن أقسم عليه فرحات المقاول . لم يحتج لأي أقسام بعدها ، وجد فيها لذة الانفصال عن الواقع والدخول إلى عالم آخر من اللذة ، بين أحضان فجر التي رضيت عنه تماما ، وهو يبدى تسامحاً وراء الآخر . بلغ قمة التسامح بموافقته على إمتاع الحاضرين برقصاتها ، تدفعه متعة الهوان بأنها ستكون له في نهاية السهرة ، وبأن عيونهم التي تنشب أظافرها في اللحم اللدن ، وأفكارهم التي تمزق الثياب  لتصل إلى ما أسفلها، لا تستطيع أن تحصل على أكثر من هذا . لثمته الغفلة ولم يفق إلا في ليلة انفض فيها كل السهارى ، لم يتبق إلا المقاول فرحات يداعبه ويصب له الكئوس المترعة ، أسلم رأسه لظهر المقعد الجالس فوقه . لم يدر كم ظل على هذا الحال . ارتفع غطاء عينيه بعد ارتخاء ، دارت عيناه مع السقف الذي يتهاوى إلى الأرض ، والأرض التي تصعد للسقف ، إطار يهتز بشدة أمامه يضم بداخله صورة لزوجته فجر مع المقاول فرحات في قبلة طويلة على باب حجرة النوم . أغمض عينيه سريعا ، سمع بعدها باب الشقة يفتح وانصرف المقاول فرحات . ظل في جلسته ساكنا ، أطفأت زوجته الأنوار وسحبته من يده للفراش ، توسل إليها أن تسمح له أن يغمس لقمته في صُحفة لم تعني حتى بتنظيفها بعد أن ولغ الكلب فيها .

لم يستطع أن ينظر إلى عينها في الصباح ، ارتدى ثيابه متعجلا الهرب ، سار خلف المقاول فرحات الذي بدا هاشا في وجهه ، أحس بنظراته تعزيه في شرفه الذي مات ودفن ليلة الأمس ، استسلم منذ هذه اللحظة لعبودية الهوان والكرامة الممسوخة ، ولكنه تعلم أن يثور لكرامة المال إذا حاول المقاول فرحات أن يستهين بها .

 

**********

       في ليلة من ليالي شهر أبريل والربيع لم يَولِ أدباره بعد والصيف في محاولة مبكرة للهجوم ونسمة حلوة من أسرار الربيع  تلفعت بدفء محبب سرقته من الصيف الفضولي لتداعب الوجنات المتوردة فرحا ، تغازل برفق خصلات من الشعر تبارت أيدي فنانة في تسريحاتها بما يتناسب مع ما تحيط به من وجوه ، تفننت في إظهار أنواع من الجمال لنساء وفتيات لم يقصر الجمال في حقهن . منظر يخلب اللب ، حمام السباحة تطفو على مياهه مجموعات من البالونات المتعددة الألوان ، وشموع تشتعل أطرافها ، تدغدغها حركة الماء في سهولة ويسر ، تبدو وكأنها قوارب الصيد البعيدة في عمق البحر . فيلا الدكتور عزيز علوي تبدو في هذه الليلة كقطعة غافلت الجنة وهربت للأرض ، حبات من ضوء تناثرت في عشوائية محببة للعين بين أغصان الأشجار تكشف عن وجهها تارة وتخبئه تارة أخرى ، زهور تربعت فوق المناضد الملتفة حول حمام السباحة ، أبدعت الدكتورة ساكي زوجة الدكتور سامي في تنسيقها على الطريقة اليابانية ، تبرز من كل ركن في المكان وتومئ بابتهاج للحاضرين . كل هذا توارى خلف روعة الحب الذي ألقى بنوره فوق وجهي عادل وميرفت فخجلت أمامه كل الأضواء . يجلسان فوق مقعدين أحاطت بهما الورود من كل جانب ، يبدوان كلوحة مرسومة بريشة فنان ، أبدع في تصوير النهاية السعيدة لمشاعر نبتت في حضن الملائكة فسكبت عليهما سعادة وفرحة أسعدت المحبين . سارع المنديل الأبيض في يد ناجي عنايت ليجفف دمعة انزلقت من جانب عينه ، ينظر إلى الطفلة التي نمت وكبرت وترعرعت في نضارة تحسدها عليها الزهور ، تملأ قلبه راحة الإحساس بأن النبتة التي تعهدها منذ أن رحل أباها وضاعت أمها مع فقدان الذاكرة، نضجت كثمار الجنة النقية . لم يُقصر أبدا في السهر عليها ، يغالبه الإحساس بأن حبه لها يزيد ويفوق حب أب لابنة أنجبها من صلبه ، كرس حياته لها ولذكرى زوجته التي أحبها ، رفض أن يدع أخرى تقترب من سياج قلبه الذي أغلقه على حبه الوحيد .

 انفض السامر بعد ليلة استمتع بها الجميع بين الغناء والرقص ، تبارت راقصتان في إظهار مهارة التلوي على دقات الطبول ، دفع الحماس إحداهما لتحجل على حافة حمام السباحة فزلت قدمها وتلقفها الماء ، دفعتها خفة ظلها أن تؤدي بعض الحركات الراقصة وهي عائمة وسط تصفيق الجميع ومرحهم . الجميع يودون لو طال الحفل حتى الصباح لكن عادل وميرفت يودان الفرار لينفردا بعيدا عن العيون .

 

 

إدوارد فيلبس جرجس

edwardgirges@yahoo.com

**********************

 

 

 

 

أخبار متعلقة :