بوابة صوت بلادى بأمريكا

د.حمزة علاوي يكتب : دراسة الرواية القصيرة للوجع ظلال للكاتبة الروائية المصرية هدى حجاجي

لما التقطته عيناي مصادفة واقفا أمام المحطة , ترأت رأسه الصلعاء كمرآة محدبة تحت وهج الشمس , لا أعرف لماذا  تداعى إلى  ذاكرتي الآن وجهه المتشنج وصوته المنهار منذ سنوات وهو يندفع   بين رجلين عريضي المناكب إلى سيارة الجيب ..!! 
متى أخرجوه من المصحة بدا وسط الناس , أستلمح فيه بعضا من ملامحي  المغتربة , أقترب بخطى مترددة ناحيتي , احسست بنفور تجاهه , أوليته ظهري .  توقفت العربة تلهث , صعدت رغم ازدحام الركاب في المؤخرة , زحفت للداخل شابكا أصابعي فوق صدري  أبحث عن شبه فراغ  أدس فيه احدى قدمي المحشورة بين الأرجل الكثيرة ,,أجد صعوبة داخلي في محاولة تكييف نفسي  مع هذا الزحام المألوف رغم ذهابي وأيابي من مقر عملي الحالي بصورة شبه منتظمة على نفس الخط لفترة طويلة .. ووقع بصري سقط القلب مني كانت تتنقل عينيها تتفرس في الوجوه العابسة ,,للحظات استحضرت الى ذهني  تقاطيع وجهها البيضاوي المستدير , ما زالت ابتسامتها تحت "أيشارب" من الحرير لكنها فشلت في أخفاء مسحة من حزن استقرت في عينيها ,, حاولت أن أدفع جسدي بقوة لأقترب أكثر , تصدى لي بتجويف صدره , أشحت بوجهي متقززه من ابتسامته البلهاء .كانت حديقتها يانعة ملأى بأزهار الباسنت واللوتس والبنفسج , وللمرة الأولى لمحتها ,, قطفت زهرة , احتضنتها وسارت , كنت أود أن أبوح عما يعتريني من شوق , جلست على مقعد خشبي متأرجح بآخر الحديقة تحينت الفرصة رغم اعتراض البستاني دلفت عبر باب حديدي قاصدا إليها من خلال ممر قصير ومحاط بشجيرات الصبار والخروع ذات الأوراق العريضة الداكنة ناولتها الأيشارب ,, ورديا بلون خديها كان خطفته ريح معاكسة وألقت به خارج السور , سقط بجواري نادت   بابتسامتها الرائعة , أخذته شاكرة .. لكزني بكوعه فانتفض جسدي
تذاكر . أخرجت يدي من جيب سروالي ووضعتها في يده , خط بقلمه على ظهر التذكرة , أخذتها وأومأت له برأسي ,.....كنا جيرانا تعارفنا ..انتشيت بعبق الزهرة في راحة يدها عند الإشارة .. على غير ميعاد تلاقينا , وكانت صفراء .. انتظرنا لنعبر سويا.  انتظرت العربة أمام الدائرة الحمراء قفز بعضهم من النافذة وآخرون تقدموا للداخل .. تواعدنا .. تعددت اللقاءات عند الضوء الأصفر مكان انتظارنا ألف كلانا الآخر ..تعاهدنا ..أبديت مخاوفي طمأنتني أنها ستظل وفية لهذا العهد المقدس قالت .. لن يفرق شيء بيننا . والكثير يقال وقتها من الكلمات سارت العربة تشق طريقها وسط الزحام ببطء ,أتممت دراستي , وحيدا كنت، فسافرت للعمل بالخارج , راسلتها سررت بكلماتها  الوردية إلى حين   رسالة عاجلة اصطبغت الكلمات بلون أسود , أبرقت إليها على الفور أن تحاول دون إتمام هذه الزيجة أكدت لها أنني قريبا سأعود .
خطت في رسالتها الأخيرة - لا فائدة لسبب ما خرج الأمر من يدي ! 
*توقفت العربة اضطرارا بمحاذاة الضوء الأحمر تجمع بعضهم عند باب النزول حاولت ان أتقدم , أفسح لي أحدهم موضعا لقدمي ,   ملت بجسدي قليلا فشعرت بذلك وأطلت بوجهها , أتسعت عيناها على مرأى الوجه القديم المنسي , ظللت شفتيها إبتسامة شاحبة , هممت أن أنطق بحرف تكسرت الحروف , تلاشت الكلمات , حين تلاشت إبتسامتها , أدارت رأسها نحو النافذة للشارع , انعكس ضوء الشمس على الزجاج ولمع سوار الذهب في معصمها . أقفلت راجعا على كاهلي حلما مجهضا لأرى حديقة جرداء , أزهار الباست واللوتس والبنفسج تناثرت على الأرض اليابسة , داستها أقدام غريبة ووجوه قاسية الملامح .  ماذا حدث وماذا تغير في الكون لا شيء تعرف ياولدي الأم الطيبة فقط ارتحلوا في المساء  لحظتها تعمق إحساسي بالغربة في موطني .
درت كثيرا أسأل الجيران .. المعارف .. الأصدقاء ... الأقارب ... الغرباء . كلهم ردوا بمعنى واحد لا نعرف لها عنوان  ربت  المحصل برفق فوق ظهري  الباقي . التفت مرة أخرى , تلاقت نظراتنا , جمدت إبتسامته البلهاء على شفتيه , قبل أن تتوقف العربة للمرة الثالثة تأهبت  للنهوض, أخليت لها مكانا لتعبر , اجتازت نحو الباب , مازلت ألمح بقاياها عن قرب حين اصطدمت عيناي عفويا بعينيه وجدته يتأملني طويلا كأنما للمرة الأولى يراني وقد انكسرت تعابير وجهه. مقعدها شاغرا للحظة ..كدت أجلس رأيت منديلها الرمادي ملقى فوقه التقطته , نزلت تبعتها , تناهى إلى مسمعي  وقع أقدام منتظمة , التفت خلفي .. كان هو ..لم أهتم أسرعت في خطواتي لألحق بها , أنحرفت إلى طريق ضيق خال , بإصرار تقدمت أطبق بيدي على منديلها حجتى الوحيدة ..هناك في آخر الشارع دلفت إلى بيت قديم من طابقين , فكرت أن أستوقفها مناديا ولم افعل . هل هي ..؟! هل كانت تشبهها ..؟! ..لست متيقنا من شيء شيعتها بنظرة يائسة حتى اختفت تحت سلم رخامي ..ومضت
تنتاب الفتاة لحظة استغراب .. ذهول ..استعادة ذاكرة الماضي ..تكالبت الصور الذهنية صوب مخيلتها .. فما بين استحضار الرؤية الذهنية ، والواقع المرئي .. اخذت عيناها تغازل ذاكرتها لتعثر على هوية ما كان وحضر .  تمكنت الكاتبة ان توطد العلاقة الفيزياوية ما بين المرآة المحدية واشعة الشمس : مابين الرؤية الافتراضية والرؤية الحقيقية . بدأت ضلال صورة  الماضي تحضر اما عيني الفتاة وباستغراب : اخذت الاشتغالات اللاشعورية تنهض من عقلها الباطن ، وهذا ينم عن القلق والاضطراب النفسي الذي انتابها اثناء رؤيته . اظهرت الكاتبة التحولات الزمنية التي انتابت الرجل : الظواهر النفسية ، انحناء الجسد ؛ هذه التحولات اثارة ذهنية الكاتبة . تكرر رسم ادوات التعجب لتترك عالم تخيلي مفتوح للقارىء ، ويكسر افق توقعاته . استشعرت الفتاة بملامح اغتراب وشمت وجهه ، احس الرجل بوجود احساس داخلي اتجاهها ، فاخذ يقترب منها ، وهي في حالة من التردد الفعلي والقلق النفسي ، تعاطت عندها الاحساسات الشعورية وراحت منكفئة الرؤية يشوبها الخوف . اعطت  الكاتبة صورة مقبل ومبدبر : اي انها ارفدت الحوار الصامت بالتوازن الحركي مابين فعل ورد فعل . توقفت العربة .. تلهث انفاسها .. تثاقلت خطواتها .. غصت بكلماتها .. حشرت  ذاتها وسط الزحام كي تنزع ثوب الرهبة التي اغشت قلبها واربكت بصيرتها  . تركت الكاتبة مساحة بيضاء للمتلقي ليكمل النص وفق رؤيته لقراءة ما يتعلق بتلك المساحة ويحدد دور الشخصية الاخرى ضمن الحدث المتسلسل . عانت الفتاة من زحمة الناس ؛ زحمة التصورات التي عجت بها مخيلتها .. اصبحت شاردة الفكر والذكريات . ابتليت بلحظة صمت ، تزامنت فيها الرؤية البصرية والقلبية وانهارت صوبه ، تناقلت نظراتها التي افترست الوجوة التي اضناها الزمن وضجيج الحياة . اعترت الرجل لحظات من صمت سافرت به الى حيث استحضار الصورة الذهنية لهذه الفتاة التي فضحتها مسحة الحزن في عينيها . استخدمت الكاتبة لفظة _أيشارب _ التي اصلها فرنسي ، كي تعطي القارىء فرصة الغوص في البحث والتقصي عن الاصل ، والتفاعل مع النص ، وكذلك شد انتباه القارىء . اصيب الفتاة باهتزازات حسية وذهنية دفعتها صوب الاخر ، لكن فوجئت بصدر الرجل الاجوف وهو يتصدى لها ، مما اصاب وجهها العسرة وشحت الرد أثر  بلاهته وضعف قدراته العقلية ؛ انه الفعل ورد الفعل ، الاقتراب والابتعاد ،كل هذا يعظم من دراما القصة القصيرة . تمكنت الكاتبة من اعطاء تناوب الادوار الدراماتيكية للشخصيات ، وهذا ما يزيد من المتعة الجمالية للسرد القصصي ؛ فتنوع المشهد السردي يعجل من اثارة القارىء للنص النثري، ومنحه ارض خصبة للتوقعات القادمة والتي تتلائم وحبكة الرواية .عادت ذاكرة الماضي للرجل فتذكرت حديقة الفتاة الزاهية والحاوية على تنوع من شذى الزهور ؛ هذا التنوع يعزز من الرمزية التي بدورها تمتن العلاقة بين عناصر القصة القصيرة . ترمز الزهور : الباسنت الى الطمأنينة ، الرومانتكية ، التفكير والتذكير : اصلها فرنسي ، وعربيا زهرة الثالوث ، هذه اللفظة تحمل دلالة الاثر والتأثير  في لغة الكاتبة . جسدت الكاتبة العلاماتية في سردها القصصي والتي تمثلت بين الدال _ الباسنت_ والمدلول في المفهوم الذهني لزهرة الثالوث ؛ اما زهرة اللوتس فحملت الدلالة الرمزية للطهر ، النقاء والجمال ، فضلا عن ذلك  فان الزهرتان : الباسنت واللوتس حملت مسحة تاريخية وتراثية للنيل والمصريون القدماء ، اما زهرة البنفسج فهي رمز الحب والوفاء . تمر اللحظات واذا بلحظة رأى فيها الفتاة وهي تقتطف زهرة  وتحتظنها ، وهذا ما اثار انتباهه  لمعرفة متغيرات الزمن وما ترمز اليه الزهرة ؛ فالروائية لم تحدد اي نوع من الزهر ، بل تركت مساحة للمتلقي كي يدير حوارا مع حبكة الرواية ، من هنا بدأت مدارك القارىء الخيالية بالتفاعل من زمكانية الرواية ووضع ما يلائم المساحة المقرؤه. عملت الكاتبة على احداث نقلة ايقاعية من الزهور الى الاشجار كي ترسم سمفونية خضراء يطرب لها القارىء . ذكرت الكاتبة نبات _ الصبار _ كدلالة رمزية للعطش .. عطش اللقاء بين الاحبة من جلدة الزمن . جلس الرجل وهو يترقب الفتاة .. سار بصوبها ليعطيها _ الأيشارب_ الوردي اللون الذي يحمل رمزية الحب الرومانسي والمودة ، لكن جاءت ريح فعصفته به الى جوار الفتاة فالتقطته وشكرته . اعطت الكاتبة تموجات لونية متنوعة تلعب دورا متناغما بين علاقات الشخصيات المتحاورة ؛ هذا المشهد الدرامي يدور ضمن استذكار رؤية ماضوية ، وبعد ان سرحت بها الذكريات ، فجأة استشعرت بلكزة من الرجل الكبير ، ايقضتها من سبات الاحلام والطيف الخيالي . اخذ الرجل التذكرة وخط على ظهرها ، وهي لاتزال في عالم من الصمت والحوار الفكري والذاتي ، وتذكرت يوما كانا جيران ، اومأ لها باشارة انتظار صفراء اللون ، مما اثارة حفيظت صورها المكنونة وصوتها المبحوح ، استجابة الفتاة بانتظاره عند الدائرة الحمراء حيث اللقاء بينهما . تدور حبكة القصة حول : التأهب ، الانطلاق ثم التوقف ؛ هذه كلها تعبر عن دوامة الزمن والمكان . تناولت احداث السرد الصراعات المجتمعية التي جسدتها الروائية من خلال الاكتظاظ في مسارات الحياة ، واللهث وراء رمق العيش _ زحمة الناس _ ودوامة الزمن في انعاش الحياة من خلال توقفات وانطلاقات للعربة _ الحياة_  وهذا ما يمنح القارىء قراءات متعددة وفق سياقه الذهني ، وما يراه من شفرات ملغزة داخل النص يعمل على فكها . تعتبر توقفات العربة ضرب من الفترات الايقاعية الموسيقية للكتابة النثرية . تعد انتقالات الكاتبة من اللون الزاهي الى اللون الرمادي ، تحولا زمنيا من زهرة العمر الى الكهولة . حدث الفعل الدرامي مابين سفر الرجل وعودته ، وتخليها عنه بعد سفره ، والزواج من غيره . اثارة الكاتبة النص بالتقاء الحبيب والزوج ، وتضافرهما في متابعة الفتاة . هدفت الكاتبة من ترك الفتاة _الايشارب _ على المقعد اثناء نزولها الى ربط وتسلسل الحبكة الروائية من بداية الحدث وارتباط عناصرها مع البعض ؛ العاطفية والاجتماعية . ارادة الفتاة من اختفاءها وسط البناية الى التخلص من الموقف الذي حصل لها بلقاء الحبيب والزوج ؛ فضلا عن تشتتها الفكري على خط المتاهات . جسدت الرواية هناك من يخلص وينتظر العودة ، وهناك من يهمل ولايبالي بالذي كان وسيكون ؛ وهذا واقع حال تعيش احداثه المجتمعات الحاضرة . احتوت القصة على صراع بين الثابت والمتحول ؛ بين من ينتظر ومن يجافي . استخدمت الكاتبة _ العابسة _للدالة على الاعياء الذي ارتسم على الوجوة من ضنك الحياة ومستلزمات العمل . اثبتت الكاتبة ان التغيرات امتدت الى اللغة اللفظية ، فمن وردية الخط ال سواد الخط ؛ وهذا ما يدل على الانقلاب العاطفي الذاتي للفتاة على العهد الذي قطعته للحبيب ؛ هذه المفارقة جاءت لتعظم عمق التعبير البلاغي للنص السردي . توظف الكاتبة اسلوب الالتفاف في روايتها القصيره ما بين الضمائر ، والافعال ، من اجل ابراز القوة البلاغية وجماليتها في السرد ؛ وكان الغرض من هذا الاسلوب رفع السآمة من الاستمرار على ضمير متكلم اومخاطب ، فضلا عن دلالته البلاغية في تنبيه القارىء وتنشيط خلاياه الفكرية . تلعب السيميائية دورا فعالا في تحديد الشخصيات من خلال سيماء وجوههم والتي تضمنت : الاشارة_ الحمراء والصفراء _ ، والايماءة _حركة الرأس  والابتسامة _  والطبيعية _ تغيير ملامح الوجة وحركة الجسد . تقبل حبيبها قدره بعد صراع مع الضنون والآمال ، واخيرا بات في حكم النأي ، فما كان في البداية مساحة خضراء ، اصبح في النهاية مساحة جرداء . تضمنت الرواية احداث متغيرة ومفارقات ، ما بين سفر الحبيب الى الخارج ، وتعهدها بانتظارة ؛ وما بين عودته وزواجها من الآخر ، وهذا ما يجسد حالة من الضياع . احتوت الرواية على ابعاد سايكولوجية من خلال تبادل النظرات الشاحبة والمرتبكة بين الاثنين ؛ كذلك وقوعها في حرج ما بين الحبيب والزوج داخل الحافلة . اتخذت الكاتبة من لفظة _ اختفت _ دلالة الضياع ؛ وجعلت من المنديل تكرارا علاماتيا ما بين البداية والخاتمة . تمكنت الكاتبة ان تحقق التوافق المكاني مابين الحديقة وداخل الحافلة وما دار فيهما من حوار . يمكن ان تتموضع الرواية تحت عنوان _ الضياع _ . طرحت الرواية حدثا واقعيا يعيش لحظة الماضي والحاضر : فهناك من يوفي العهد ، وهناك من ينقضه ، فضلا عن الواقع الفعلي في الحياة وانشغال الناس في عيشتهم من خلال الازدحام والسعي للحصول على مكان ، فالحياة سكة سفر : انتظار ، تزاحم ، تسارع ، توقف ؛ هذه هي الحياة ،تمكنت الكاتبة ان تطرح المأساة من خلال الرواية .

أخبار متعلقة :