بوابة صوت بلادى بأمريكا

إيمان أبو الهيجاء: أرواحٌ تلتقي

يسمع صوتها. يتمنى لو تعطيه الفرصة كي يتحسس وجهها ليستطيع رؤيتها فيكمل تلك اللوحة التي رسمها لها بخياله. يتبادلان أطرافالحديث من وراء نظارته السوداء التي لم تخفِ وسامة وجهٍ زينته بصيرة فاقت بصر الكثيرين ممن تعرفهم. هو كذلك يشعر بذكائها وخفةظلها، فيحاول استفزازها كي يستمع إلى آرائها الحادة أحيانا والطفولية أحيانا أخرى. "إنسانة نادرة من كوكب آخر" هكذا كان يقول لنفسهوهو ينظر باتجاهها كلما تحدثت.

يخاف الاقتراب. لا يدري كيف يبدأ حديثا يتمنى عادة لو أنه لا ينتهي. تقلقه فكرة أن يُفهم خطأ فهو لا يريد سوى سحر تلك المحادثات التيتغير مزاجه، تثير فضوله، فتجعل يومه أحلى. تقترب من طاولته التي اعتاد أن يجلس إليها حيث كانت تعمل كنادلة، و تسأله عن أحواله فيردبابتسامة واسعة لمجرد سماع صوتها. يضحكان سوية بدون سبب واضح قبل أن تأخذ طلبه، وتمضي لعملها ولكنها تعود بعد بضع دقائقلتشاركه حدثا ما حصل مع الزبائن ليعودا للضحك.

كان يأتي يوميا إلى نفس المكان، حتى في يوم إجازتها الأسبوعية حتى لا يثير الشكوك حول حقيقة مجيئه لهذا المطعم الصغير الذي لا يميزهشيء سوى ذلك الصوت الأسطوري. يجلس ليكتب مستعملا لوحة الطباعة الخاصة بمن هم في مثل حالته. يسرح مع حروفه إلى أن تمربجانبه لتقول شيئا يجعله ينسحب باتجاه ذلك الصوت مرة أخرى. ما بين حروفه وصوتها يعيش عالما خاصا يفصله تماما عن كل ما حوله.

جاء ذلك اليوم  الذي لا يطيقه في الأسبوع، ولكنه يجد نفسه مضطرا فيه للذهاب إلى المطعم. جلس مرغما وأخرج" اللاب توب" ليسمعها تقولصباح الخير. تغير كل شيء حوله حتى الهواء بدا أنقى، كاد يقسم بأنه سمع عصافير تزقزق. رد بفرحة لم يبذل جهدا لإخفائها. " ظننت بأنهيوم إجازتك" قال باستغراب. هو فعلا كذلك ردت ببساطة ولكني قدمت لرؤيتك، فأنا اشعر بأننا لا نجد الفرصة للحديث في الأيام الأخرى. سحبت كرسيا وجلست قبالته. لم يكن من الصعب أن يجدا مواضيع للتحدث بها. شعر بأن ذلك اليوم هو من أجمل أيام حياته فقط لأنه يجلسمع روح لمست روحه. لم يصادفه هذا الإحساس أبدا. "قد تقابل من يلمس قلبك أو فكرك أما أن تقابل من يلمس روحك فهذا الأمر قد يخرجكعن طورك وأنت تحاول تفسير شعور لا يفسر".

كانت قد مرت أكثر من سنة على تلك الصداقة، ليأتي يوما ومعه كتاب يناولها إياه. لاحظت العنوان الذي كتب بأحرف سوداء كبيرة" أرواحتلتقي" فاجأها اسمه الذي كان يزين الغلاف. شعرت بسعادة كبيرة وكأن حروف اسمها هي التي كانت تزين تلك الصفحة اللامعة الملونة. لمتكن حتى تعلم بأنه كان يكتب رواية فقد ظنت بأنه كان يقوم بأبحاث لعمله في الجامعة. فتحت الصفحة الأولى. ابتسمت وهي تقرأ الإهداء" إلى من وجدت معها جزءا تائها من روحي. إليها فقط".

 

•••••••••••••••••••••••••••••

 

بـــقـــلـــم

 

إيمان أبو الهيجاء

أخبار متعلقة :