بوابة صوت بلادى بأمريكا

د. بهي الدين مرسي يكتب: هل يصلح رب العزة الخطاب الديني بنفسه؟

كتبت رؤيتي في مقال سابق بأن التاريخ سيشهد لوباء الكورونا كأول من فلح في تصحيح الخطاب الديني، ولكن البعض لم يفهم ما بين السطور. المتأمل والمتدبر لمنهج التربية القرآني يدرك أن النوازل (جمع نازلة) هي دروس يخاطب بها الله عباده عندما يشتد بهم الخرف وتنحرف العقول عن المراد الرباني، وليس خفيا أن النوازل التي أبتلى بها الله أقواما سبقونا كانت لتقويم المدركات كما جاءت عبر القصص القرآني، ولكنهم لا يفهمون. لا أنظر للكورونا كوباء سببه فيروس يصيب الجهاز التنفسي ويستفحل أمره ليحصد الأرواح، بل أرى أن الوباء أيا كان "كورونا" أو "كوليرا" أو "جدري" هو يد الله الباطشة التي يضرب بها الأمثال، بل يضرب بها الرؤوس لتفيق العقول.

قراءة متدبرة في المشهد الجاري سوف تقودك إلى الحقائق التالية:

* لقد أغلق الحرم المكي وهو بيت الله لدرء البلاء في رسالة مفادها رمزية البيت ليعلم الغافلون أن بيت الله ليس كبيوت البشر، فهو بيت لا يحده جدران، وهو ليس ببناء، وإن كان بناء فلن تبنيه أيادي البشر ليسكنه خالقهم، ولا أسوار له وبلا جغرافيا، وليس أرضا تدوسها الأقدام كما هو الحرم المكي، بل هناك رمزية البيت في تصور لا يدركه القياس البشري. فليخرص إذن المتباكون على غلق "بيت الله" بسبب أهون المخلوقات.

* ظللتم تتشدقون بالدعاء لدفع البلاء في مخالفة صريحة لمنهج الإدراك العلمي وهو الذي وهبك الله إياه، وكأن الدعاء من الدين والعلم من الشيطان!

وها أنتم مؤخرا تنصاعون صاغرين لمدركات العقل بأخذ التدابير الصحية التي أقرها العلم، وتلك التدابير – لمن يفهم – هي في حد ذاتها أدعية لله برفع البلاء. من قال بأن الدعاء هو رفع بياض الأكف للسماء والتضرع بالمنطوق طالبين النجدة؟ أبدا والله، بل أرى أن تحري سبل النجاة من الوباء بالعزل والنصح وتفتيت الزحام وتأجيل العمرة هو في حد ذاته دعاء وتضرع لله بإزاحة الغمّة لأنه يعلم كربك حتى وإن لم تجاهر به.

* من كان يجرؤ على غلق مسجد لتطهيره، أو هدمة لإفساح طريق، أو نقلة لتسوية منافع؟ الويل كل الويل لمن يحمل معولا لهدم مصلي، وباتت تلك الألاعيب وسيلة لبناء مصلى أو مسجد فوق أسطح العمارات لتحدي الأنظمة التي تردع المخالفين، وكأن الاحتماء ببيت الله سوف يمنح بركاته لعمارة مخالفة.

* أتت الكورونا من "عند لله" لتغلق بيوتا هي "بيوت الله" بأمر "من الله"، و"بمشيئة الله"، والدرس الواضح هو أن أمور الدنيا هي شئون تخص العباد، وما كان لله أن يغضب إن أغلق مصلى أو مسجد أو نزع ميكروفون يفزع العباد بالضوضاء، فالله اسمه العليّ ولا يحتاج ميكروفونات لإعلاء اسمه. * لم يسلط الله الوباء على غير المسلمين ولا الكافرين ولا الملحدين وحفظ المسلمين. أتدرون لماذا؟ لأنه "رب العالمين" وليس "رب المسلمين" ولكنهم لا يفهمون. هل لديكم يقين كم مسلم لقي حتفه وهو مؤمن في هذا الوباء، والقادم أخبر؟ * هذه رسالة الله لأناس روجوا لخطاب طالت جهالته رب العزة، وتمادي أنصاف الفاهمين لينزعوا راية الرحمة من يد الله، ولكنهم بائسون وهم الأخسرون.

 

د. بهي الدين مرسي Baheyeddin Moursy

 

أخبار متعلقة :