بوابة صوت بلادى بأمريكا

مدحت بشاي يكتب: لاهوت الجمال والأيقونة الناسوت

لا شك .. لا جمال أرفع وأعلى من جمال مَن خلَق الجمال ومن محبَّة الله الجميل للجمال أنْ خلق الجمال، خلق ذلك في كونه ومخلوقاته، وأرضه وسمائه، جمال مادي منحوت على صفحات الطَّبيعة وسطورها، يُعلن عن نفسه دون مشقَّة أو أقنعة زائفة،يعبِّر عن ذاته بذاته ..

وفي الإيمان المسيحي ، الله خلق العالم ليعرض جماله. "السماوات تعلن مجد الله" (مزمار 19:1). عندما خلق الله النور المجيد, كان قد قرر ما سيفعل في الخليقة الجديدة لقلوب الناس. "فَإِنَّ اللهَ ، الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنَ الظَّلاَمِ، هُوَ الَّذِي جَعَلَ النُّورَ يُشْرِقُ فِي قُلُوبِنَا، لإِشْعَاعِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ الْمُتَجَلِّي فِي وَجْهِ الْمَسِيحِ" (2 كورينثس 4:6). في الخليقة الجديدة, نرى جمال الله في وجه المسيح. في الخليقة القديمة, نرى جمال الله في السماوات وفي الأرض.

و تُعد الأيقونة إحدى أشكال التعبير الجميلة التي أبدعتها الحضارات الإنسانية بشكل عام ، والإنسان المسيحي بشكل خاص ، هي تعبير تصويري لموضوعات دينية ، تصوّر بجمال  ملامح اللاهوت القبطي ، فتبرز صورة المسيح، أو بعض القديسين، أو تذكّرنا بحوادث و بتفاصيل القصص الديني المسيحية كالنزول إلى الجحيم مثلاً، أو قد تظهر حدثاً تاريخياً من حوادث الكنيسة والكتاب المقدس ( ضيافة إبراهيم أو أحد المجامع المقدسة ) ..

تُطلق كلمة أيقونة على الرسومات ذات الطابع الروحي التي تعكس حقيقة إلهية ، وما عداها فهي لوحات وفنون شعبية. ولقد أبدعتها  الكنيسة واضعة لها قواعد للرسم لتكون لقاء مع الخليقة الجديدة، والمسيح هو رأس هذه الخليقة الجديدة. ومن ناحية أخرى، فالأيقونة نافذة على “العالم الآخر”، حيث لا سيطرة للزمان والمكان، ولهذا تبدو الخطوط في الأيقونة غريبة بعض الشيء لأنها لا تنقل صورة كالفوتوغرافية أو الفن الطبيعي naturaliste  ولأن النور الإلهي يطرد كل ظل خطيئة. تستخدم الأيقونة البعيدين بدون ظلال، وهذا لأننا نصّور الطبيعة المفتداة والمنوّرة والمقدسة. تبرز الأيقونة حضرة الله بين الناس، وهذا فكر أرثوذكسي ضميم، إذ تلعب الأيقونة دوراً تعليمياً وإعلامياً رائعاً في ليتورجيا كنيستنا المقدسة. ففن التصوير المقدس يثقّف شعب الله إذ يوصل تعليم الكنيسة بما تؤمن، وهكذا تترسّخ الخبرة الحقيقية التي للرؤيا الداخلية حين نراها مصورة أمامنا.

نتعلم الإيمان مشتركين بالحدث كأنه حاصل أمامنا، وهذا ينطبق تماماً على استخدام كلمة “اليوم” في معظم تراتيلنا، والتي تظهر الحضور الدائم لحقيقة تصميم الله لخلاصنا. الإدراك لا يستطيع إظهار الإله غير المنظور ولكن في أعماق النفس يجد الإنسان ضالته بخصوص وجود الله. وهكذا يعبر المؤمن القبطي من خلال إنعكاس الألوهة في الأيقونة إلى اللقاء والإتحاد..

شيئا فشيئا, نصبح أكثر فأكثر كالمسيح من خلال رؤية وتأمل جماله. "وَنَحْنُ جَمِيعاً فِيمَا نَنْظُرُ إِلَى مَجْدِ الرَّبِّ بِوُجُوهٍ كَالْمِرْآةِ لاَ حِجَابَ عَلَيْهَا، نَتَجَلَّى مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ لِنُشَابِهَ الصُّورَةَ الْوَاحِدَةَ عَيْنَهَا" (2 كورينثس 3:18). كل ما أكثرنا من من تأمل الجمال, نزداد جمالا. "كُلُّ مَا كَانَ حَقّاً، وَكُلُّ مَا كَانَ شَرِيفاً، وَكُلُّ مَا كَانَ عَادِلاً، وَكُلُّ مَا كَانَ طَاهِراً وَكُلُّ مَا كَانَ مُسْتَحَبّاً، وَكُلُّ مَا كَانَ حَسَنَ السُّمْعَةِ، وَكُلُّ مَا كَانَ فِيهِ فَضِيلَةٌ وَخَصْلَةٌ حَمِيدَةٌ، فَاشْغِلُوا أَفْكَارَكُمْ بِهِ" (فيليبي 4:8).

ونحن نحتفل هذه الأيام بصوم السيدة العذراء ، يذكر لنا تاريخ الحضارة بشكل عام والحضارة القبطية بشكل خاص العديد من صورالأيقونات التاريخية التي وثقت إلى حد كبير مراحل عديدة من حياة السيدة العذراء مريم وسيرتها الرائعة .. أما الصورة الأكثر أهمية  واختلافا من وجهة نظري هي لمريم العذراء لفنان مجهول ــ للأسف ــ وهي تحمل الكتاب المقدس لأن يسوع يدعى "الكلمة" ، ولأن الأيقونات هي نوافذ على سماء الإيمان والمعرفة ، فالأقرب والأهم هي التي تذكرنا بأهمية شخوص من توثقهم .. وتلك الأيقونة رسمت في القرن السابع ، وتعد من أفدم الصور المريمية المعروفة ...

 

مدحت بشاي

medhatbeshay9@gmail.com

 

 

 

 

 

أخبار متعلقة :