بوابة صوت بلادى بأمريكا

عمرو الزيات يكتب: مستقبل الشعر في مصر والعالم العربي

لا ريب أن الشعراء هم أقدر الناس تعبيرا عن آلام الوطن  وآمال أبنائه، والشعر هو ترجمان النفوس والمعبر عن مكنوناتها ؛ لذلك كانت المقولة المعروفة (الشعر ديوان العرب) فمنذ عصور الجاهلية والشعراء يسجلون في أشعارهم أخبار الحرب، وطبيعة البيئة التي يعيشون بها، وهو المصدر الأوفى لبيان تقاليد العرب ورحلاتهم، وظل كذلك حتى ظهور الإسلام ؛ فمضى مع الدعوة الجديدة مدافعا عن الدين مصورا للصراع بين المسلمين والمشركين، ثم انتقل لمرحلة أخرى مع قيام دولة الأمويين، فكان له الدور الأكبر في مساندة الأحزاب السياسية، وكان لكل حزب شعراء يدافعون عن أفكاره السياسية، وبعد قيام دولة بني العباس واتساع الدولة، والتأثر بالحضارات الأخرى، وانتعاش الحياة الثقافية، وظهور علوم القرآن واللغة كان الشعر – شأنه شأن ظواهر الحياة – قد بلغ قمة الازدهار والتطور، وظهر جيل من الشعراء الذين خلدوا أنفسهم على مر الزمان مثل المتنبي وأبي العتاهية والمعري وابن الرومي وبشار وأبى نواس وغيرهم.

في عصر المماليك أصيب الشعر بحالة من الجمود والتراجع بلغت ذروتها إبان الحكم العثماني؛ حيث فرضت اللغة التركية لغة رسمية، وأقبل ليل الضعف.

وسط كل هذا الركود للحركة الأدبية عموما وضعف الشعر خصوصا لاح نجم في سماء الفكر والثقافة هو رب السيف والقلم محمود سامي البارودي حيث رد الحياة للشعر العربي وبعثه من مرقده، وكان لتلاميذه دور عظيم في تطور الشعر وازدهاره وعلى رأس هؤلاء التلاميذ أحمد شوقي ورفاقه.

مع تطور الصحافة والترجمة والتأثر بالثقافات الأجنبية حدثت الطفرة الأدبية؛ فظهرت المدارس الرومانسية وكان خليل مطران أبا روحيا لكل من جاء بعده من مدارس الديوان وأبوللو والمهاجر، ثم تراجعت الرومانسية بعد الحرب العالمية الثانية، وظهرت المدرسة الواقعية.

كانت المدرسة الجديدة أكبر خطر على الشعر العربي ومازالت؛ حيث خرج الشعراء عن أصول العربية عروضيا ولغويا بدعوى التجديد، وأصبح كل ناظم شاعرا؛ حيث لا قيود تفرض على الشاعر، وكل من استطاع رص كلمات ركيكة تقترب من العامية يعد شاعرا، وربما حصد الجوائز الدولية والعالمية، وأنجب الواقع مولودا غير شرعي، حار أربابه فيه؛ فأطلقوا عليه قصيدة النثر، والشعر الحر، وشعر التفعيلة، وكلها أنواع مستوردة لا تناسب لغتنا العريقة، وحاول هؤلاء – جهلا منهم - أن يلبسوا العقل العربي قبعة الغرب .

ثمة أصوات شعرية في عصرنا قادرة على تغيير خارطة الشعر العربي بما تملكه من موهبة طاغية وقدرة لغوية فائقة، تلك الأصوات الشعرية لم يكتب لها السيطرة على المشهد الثقافي بعد؛ رغم أنها قادرة على النهوض بالثقافة العربية والشعر العربي.

إن المؤسسات المحلية والعربية المهتمة بالشعر وبإقامة المسابقات الشعرية لا تسمح لأي من تلك الأصوات بالظهور؛ بل تتعمد قتلها بوسائل كثيرة، وقد يكون الفائز معلوما للجنة التحكيم قبل بدء المسابقة لأسباب كثيرة ليس هذا أوان تفصيلها.

من تلك الأصوات الشعرية في عصرنا الدكتور السيد خلف أبو ديوان رائد ومؤسس مدرسة الجن، المدرسة التى ألقت أحجارا في مياه الحياة الأدبية؛ فطفق المثقفون يسرعون إليها بين معجب بها خاش على مكانته، وبين حاقد عليها لضعف ملكته وموهبته، أما الراسخون في العلم فيعترفون للسيد خلف بأنه الرجل الذي يمتلك وسائل التغيير، ولديه مفاتيح أبواب المستقبل المشرق للشعر العربي الموصدة.

السيد خلف شاعر من طراز العظماء، كان له الفضل في إحياء البحور الشعرية الخليلية المهجورة التي فر من منها الشعراء بدعوى صعوبة الكتابة عليها أو قربها من الغناء والموسيقى، ولو ذهبت تستقصى ما كتب على تلك البحور منذ الجاهلية لوجدتها لا تتجاوز بضع مقطوعات تؤكد وجود البحر الشعري، ولا تثبت شيوعه، دعا الرجل للمساجلات الشعرية بين الشعراء وعودة المشاغبات الشعرية من هجاء وغيره، ولا شك أن في ذلك شحذا للقرائح، وتجديدا في اللغة وإثراء لها ، ومن غريب الأمر أن يستجيب الشعراء لذلك، ويصبح المخالفون له مطبقين منهجه وما دعا إليه، وهي تحية معكوسة لو أرادوا لحجبوها؛ لكنها مبذولة رغما عنهم.

إن مستقبل الثقافة عموما والشعر خصوصا رهن بمنح تلك المواهب والطاقات فرصتها، وتخلي أصحاب المصالح وسماسرة الأدب عن أساليبهم المقيتة للسيطرة عن الوسط الأدبي والحقل الثقافي .

وتقع على الدولة مسئولية أخرى هي رعاية تلك المواهب وتشجيعها لا قتلها ومحوها.

 

 

أخبار متعلقة :